عالم افتراضي قد يسرق طفولة حقيقية
سوزان أبو بكر
بدافع الفضول ومحاولة فهم ما يدور داخل عالم الألعاب الإلكترونية التي يقضي فيها الأطفال والمراهقون ساعات طويلة، قمتُ بتحميل إحدى الألعاب الشائعة. لم يكن الهدف التسلية بقدر ما كان محاولة لفهم سيكولوجية هذه الألعاب وكيف تنجح في جذب اللاعبين. لكن المفاجأة لم تكن في تصميم اللعبة أو مراحلها، بل في الطريقة التي تخاطب بها المستخدم وتتعامل معه. في لحظة ما ظهرت رسالة داخل اللعبة تناديني باسمي، وكأن اللعبة تعرفني شخصيًا. عندها أدركت أن الأمر لا يتعلق باللعب فقط، بل بمنظومة كاملة من جمع البيانات وتحليلها والتأثير النفسي على المستخدم.
في الواقع، كثير من التطبيقات والألعاب الحديثة تطلب عند تثبيتها صلاحيات للوصول إلى معلومات الهاتف، مثل الاسم، الحسابات المرتبطة بالبريد الإلكتروني، الموقع الجغرافي، جهات الاتصال، أو حتى سجل النشاط على الجهاز. هذه المعلومات قد تبدو عادية للمستخدم، لكنها بالنسبة لمطوري الألعاب تمثل مادة خام يمكن استخدامها لخلق تجربة تبدو “شخصية” للغاية، وهو ما يزيد ارتباط اللاعب باللعبة ويجعلها أكثر تأثيرًا عليه.
أحد الأمثلة التي أثارت الجدل عالميًا كانت لعبة Doki Doki، التي انتشرت قبل سنوات عبر الإنترنت، حيث اعتمدت على نظام من التحديات المتصاعدة نفسيًا.
تُعد لعبة Doki Doki Literature Club! واحدة من أكثر الألعاب التي أثارت جدلًا في السنوات الأخيرة بسبب طبيعتها النفسية غير المتوقعة. صدرت اللعبة عام 2017 وطوّرها فريق Team Salvato بقيادة المطور Dan Salvato، وتظهر في بدايتها كأنها لعبة بسيطة من نوع الروايات التفاعلية اليابانية حيث ينضم اللاعب إلى نادٍ أدبي في المدرسة ويتفاعل مع مجموعة من الطالبات ويكتب القصائد لهن. غير أن هذه الصورة الهادئة ليست سوى واجهة تخفي خلفها تجربة نفسية معقدة؛ فمع تقدم اللاعب في الأحداث تبدأ القصة بالتغير تدريجيًا، وتتحول الأجواء من قصة مدرسية رومانسية إلى تجربة رعب نفسي تتناول موضوعات حساسة مثل الاكتئاب والاضطرابات النفسية. ما يميز هذه اللعبة هو استخدامها لأسلوب يُعرف بكسر “الجدار الرابع”، حيث تبدأ إحدى الشخصيات الرئيسية، وهي مونيكا، بمخاطبة اللاعب مباشرة وكأنها تدرك أنها داخل لعبة وأن هناك شخصًا حقيقيًا خلف الشاشة، وفي بعض الأحيان تستخدم اسم المستخدم الموجود في الجهاز أو حساب الحاسوب، ما يمنح اللاعب شعورًا بأن اللعبة “تعرفه” شخصيًا. كما تتلاعب اللعبة بملفاتها الداخلية، حيث قد يضطر اللاعب إلى حذف بعض الملفات من مجلد اللعبة نفسه حتى يتمكن من متابعة القصة، وهو أسلوب غير مألوف يهدف إلى تعزيز الإحساس بأن اللعبة تتجاوز حدود الشاشة وتدخل إلى النظام نفسه. هذه العناصر مجتمعة تجعل التجربة صادمة لكثير من اللاعبين، خصوصًا المراهقين الذين قد يبدأون اللعبة وهم يعتقدون أنها قصة خفيفة، قبل أن تتحول إلى تجربة نفسية عميقة ومقلقة، وهو ما دفع مطوريها لاحقًا إلى وضع تحذير واضح بأنها غير مناسبة للأطفال أو الأشخاص الحساسين نفسيًا.
المشكلة الحقيقية تظهر عندما تُستخدم هذه التقنيات بطريقة غير أخلاقية، خصوصًا مع الأطفال والمراهقين. فالشاب أو الطفل عندما يرى لعبة تناديه باسمه أو تشير إلى معلومات يعرف أنها موجودة في هاتفه فقط، قد يشعر أن اللعبة “تراقبه” أو “تعرف كل شيء عنه”. هذا الإحساس قد يولد مزيجًا من الفضول والخوف في الوقت نفسه، وهو بالضبط ما تعتمد عليه بعض الألعاب ذات الطابع النفسي أو المرعب.
وأيضا لعبة Sara Is Missing هي لعبة رعب تفاعلية للهواتف تقوم على فكرة العثور على هاتف فتاة مفقودة تدعى سارا، ويبدأ اللاعب بالبحث داخل رسائلها وصورها وتطبيقاتها لمعرفة ما حدث لها. صُممت اللعبة لتبدو وكأن الهاتف الذي يستخدمه اللاعب أصبح بالفعل هاتف سارا الحقيقي، حيث تظهر الإشعارات والرسائل بطريقة تحاكي نظام الهاتف، ويتواصل مع اللاعب تطبيق غامض يطرح عليه أسئلة ويتفاعل معه مباشرة. هذا الأسلوب يجعل اللاعب يشعر بأنه جزء من القصة وليس مجرد مستخدم، ويخلق إحساسًا بأن الهاتف يتحدث معه ويعرف ما يفعله داخل الجهاز، وهو ما يمنح اللعبة طابعًا نفسيًا واقعيًا قد يكون مربكًا لبعض المراهقين.
من منظور تقني، لا تحتاج اللعبة في الحقيقة إلى اختراق الهاتف حتى تحصل على هذه المعلومات؛ يكفي أن يمنحها المستخدم الأذونات المطلوبة عند التثبيت. كثير من المستخدمين يضغطون زر “موافقة” دون قراءة نوع البيانات التي يسمحون للتطبيق بالوصول إليها. وهنا تتحول اللعبة من مجرد وسيلة ترفيه إلى منصة تجمع بيانات شخصية يمكن استغلالها بطرق مختلفة.
لهذا السبب يحذر خبراء الأمن الرقمي من السماح للأطفال بتحميل الألعاب دون رقابة، خاصة تلك التي تطلب صلاحيات واسعة للوصول إلى بيانات الهاتف. فالمشكلة لا تكمن فقط في المحتوى العنيف أو المخيف، بل في الطريقة التي قد تستخدم بها بعض التطبيقات المعلومات الشخصية لخلق تأثير نفسي قوي على المستخدم.
في عالم رقمي يتطور بسرعة هائلة، لم تعد الألعاب مجرد صور متحركة على شاشة الهاتف، بل أصبحت أنظمة ذكية قادرة على تحليل سلوك المستخدم والتفاعل معه بشكل شخصي للغاية. وبينما يمكن لهذه التقنيات أن تُستخدم لتقديم تجارب تعليمية وترفيهية مميزة، فإن استخدامها دون ضوابط واضحة قد يحولها إلى أدوات ضغط نفسي خطيرة، خاصة عندما يكون اللاعب طفلًا أو مراهقًا لا يدرك بعد حدود العالم الرقمي وما يخفيه خلف شاشته.








