الأردن إلى دمشق: ليس مجاملةً سياسية… بل تحرّك دولة ترى الخطر قبل أن ينفجر
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
في الإقليم الذي نعيش فيه، لا يكفي أن تكون الدولة عاقلة؛ بل يجب أن تكون سريعة الفهم، دقيقة القراءة، وقادرة على التحرّك قبل أن تتحوّل الأخطار المحيطة بها إلى وقائع مفروضة عليها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يجب أن تُقرأ زيارة الوفد الأردني الرفيع إلى دمشق. فهي ليست مجاملةً سياسية، ولا زيارة علاقات عامة، ولا مجرّد رسالة بروتوكولية. إنها خطوة دولة تعرف أن المنطقة تدخل طورًا أشد خطورة، وأن الانتظار لم يعد سياسة، بل صار وصفةً لاستيراد الأزمات.
حين يذهب إلى دمشق وزير الخارجية، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، ومدير المخابرات العامة معًا، فهذه ليست صورة لزيارة اعتيادية، بل صورة دولة تُشغّل أدواتها السياسية والعسكرية والأمنية في وقت واحد. وهذا يعني أن عمّان لا تتعامل مع الملف السوري كملف علاقات ثنائية فقط، بل كجزء من معركة حماية الأمن الوطني الأردني في لحظة تختلط فيها الحدود بالجبهات، وتتشابك فيها الساحات من لبنان إلى سوريا إلى الخليج.
من السهل أن يقول البعض إن الأردن تحرك بسبب الإرهاب، أو التهريب، أو التصعيد الإيراني، أو الخشية من امتداد نيران لبنان إلى سوريا. وكل ذلك صحيح جزئيًا. لكن من الخطأ الفادح أن نتجاهل الحقيقة الأكبر: إسرائيل التوسعية هي اليوم جزء أساسي من معادلة الخطر، لا مجرد تفصيل جانبي فيها. وما يجري في سوريا ليس فقط صراع نفوذ إيراني أو اضطرابًا داخليًا؛ بل أيضًا ساحة مفتوحة أمام إسرائيل لتفرض بالقوة ما تريد، حيث تريد، ومتى تريد.
إسرائيل لا تتصرف في سوريا بمنطق الأمن الوقائي المحدود كما يحاول البعض تسويق الأمر، بل بمنطق فرض الوقائع، وتغيير الميدان، وتوسيع هوامش السيطرة والتدخل. الغارات المتكررة، والتوغلات، والعبث المستمر في الجغرافيا السورية، ليست أحداثًا منفصلة، بل جزء من سلوك توسعي واضح لا يحتاج إلى كثير شرح. وعندما يصبح الجنوب السوري ساحةً مفتوحةً أمام هذا النمط من الفعل الإسرائيلي، فإن الأردن لا يستطيع أن يقف متفرجًا، لأن الفوضى لا تعرف احترام الحدود، ولأن الخرائط حين تُهتز في الجوار، لا تبقى ثابتة في الداخل.
الأردن يعرف جيدًا أن الخطر لا يأتي فقط من جهة واحدة. فهناك نفوذ إيراني، وهناك جماعات مسلحة، وهناك شبكات تهريب، وهناك ساحات لبنانية وسورية قابلة للاشتعال، وهناك أيضًا إسرائيل التي تريد أن تعيد تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها بما يخدم مصالحها وحدها، ولو على حساب سيادة الدول العربية واستقرارها. وهنا تصبح الحكمة الأردنية في التحرّك نحو دمشق مفهومة تمامًا: لا يجوز ترك سوريا بين فكي كماشة، اختراق إيراني من جهة، وضغط إسرائيلي توسعي من جهة أخرى، ثم يُطلب من الأردن لاحقًا أن يدفع كلفة الفوضى وحده.
هذا هو جوهر الدولة حين تفكر بعقل استراتيجي. فالأردن لا يملك ترف الانتظار، ولا رفاهية الخطاب الإنشائي، ولا مصلحة له في دفن رأسه في الرمال بينما يُعاد رسم المشهد من حوله بالنار والسلاح. لذلك فهو يتحرك الآن، لا حبًا في المشهد، بل لأن البديل عن الحركة هو أن تُفرض عليه نتائج حروب الآخرين وتوسعاتهم وتصفياتهم.
والأهم أن ما يفعله الأردن ليس انحيازًا أعمى لهذا الطرف أو ذاك، بل انحيازٌ صارم لمصلحته الوطنية. فهو يدين الاعتداءات الإيرانية حين تستهدف الأردن أو الخليج، ويدين كذلك الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، لأن الدولة التي تحترم نفسها لا تقيس الأخطار بهوية الفاعل، بل بحجم التهديد الذي يمثله على أمنها واستقرار محيطها. وهذه نقطة في غاية الأهمية، لأن بعض العقول الكسولة ما زالت تريد اختزال الموقف الأردني في خانة الاصطفاف، بينما الحقيقة أن الأردن يتحرك بمنطق الدولة التي تريد النجاة من جنون الإقليم، لا الالتحاق بمحاوره.
إن إرسال هذا الوفد إلى دمشق هو في حقيقته إعلان سياسي وأمني واضح بأن الأردن لا يقبل أن تُترك حدوده رهينة الفوضى، ولا أن تُدار بيئته الاستراتيجية من خارج إرادته، ولا أن تتحول سوريا إلى ساحة يسرح فيها كل لاعب إقليمي ودولي ثم يُطلب من عمّان أن تتلقى الصدمة بصمت. هذا ليس سلوك دولة مرتجفة، بل سلوك دولة فهمت أن إدارة المخاطر تبدأ قبل الانفجار، لا بعده.
في لحظة كهذه، لا تكون القوة في رفع الصوت، بل في قراءة الخريطة كما هي، لا كما يتمنى البعض أن تكون. والخريطة تقول بوضوح إن إسرائيل التوسعية، تمامًا كما إيران ووكلاؤها، ترفع مستوى التهديد في المشرق كله، وتدفع الدول المحيطة إلى إعادة حساباتها بسرعة. والأردن، بحكم موقعه وخبرته ووعيه، اختار أن يتحرك بعقل الدولة، لا بعاطفة المتفرج، ولا بغفلة من يظن أن النار ستبقى بعيدة عنه.
الخلاصة واضحة:
الأردن لم يذهب إلى دمشق لأنه يحب المجازفة، بل لأنه يعرف أن عدم الحركة في هذا التوقيت هو المجازفة بعينها. ذهب لأنه يدرك أن حماية الدولة لا تكون بالانتظار، ولا بالتمنيات، ولا بالصمت على تمدد الأخطار من كل اتجاه. وذهب لأنه يعرف أن إسرائيل حين تتمدد، وإيران حين تناور، والفوضى حين تتكاثر، فإن على الدولة الجادة أن تكون حاضرة في الميدان السياسي والأمني قبل أن تجد نفسها أسيرة ميدان صنعه الآخرون.








