المصابيح الزُرق: صمود وحياة في زمن الخوف
بقلم محمد النجار
في قلب مدينة اللاذقية، وبين جدرانها وشوارعها الضيقة، يتجسد الخوف من الحرب العالمية الثانية في أبسط تفاصيل الحياة اليومية. خشية الغارات الجوية الألمانية، لجأ السكان إلى حيلة لم يسبق لها مثيل: طلاء الشبابيك والمصابيح باللون الأزرق، في محاولة لحماية المدينة من القصف. هذا اللون لم يكن مجرد وسيلة دفاع، بل أصبح رمزًا للصمود، والأمل في زمن بدا فيه الظلام أقوى من الضوء.
رواية المصابيح الزُرق لحنا مينا تكشف عُمق هذه الحقبة الصعبة. نلمس من خلالها الخوف اليومي، إعلان حالة الطوارئ، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي كادت تكسر الناس: طوابير طويلة أمام المخابز للحصول على رغيف الخبز، انتظار ساعات للحصول على زيت الكاز، البطالة التي كانت تدق أبواب كل بيت، والفقر الذي يثقل كاهل المدينة. كل ذلك وقع تحت نير الاحتلال الفرنسي، الذي لم يتوانَ عن ممارسة البطش والتعذيب ضد أي مقاوم، وترك الناس تحت سلطة المختار المتخاذل، الذي كان يسرق المعونة ويذل المواطنين تحت ذريعة "الظروف استثنائية".
وسط هذا الظلم، يظهر المقاوم المثقف عبد القادر، شخصية تتجلى فيها قيم الشجاعة والفكر، مقابل جدوع الذي يمثل الخيانة والجبن. لكن الرواية لا تركز فقط على صراع الخير والشر، بل تسلط الضوء على قدرة البشر على العيش، الضحك، والمحبة رغم كل شيء.
الأمسيات في اللاذقية لم تغب عنها السهرات، حيث كان الناس يتسامرون في باحات البيوت. قصص أبو رزوق كانت تعيد للمدينة بعض دفء الإنسانية، ومرح نايف الإسكافي كان يملأ الجو بالضحك، بينما يشارك المناضل محمد الحلبي الضحكات بروح مرحة، وأبو فارس يدخن بهدوء، يروي حكاياته عن سفربرلك وظروف الحرب القاسية. هذه اللحظات البسيطة كانت تثبت أن الحياة يمكن أن تستمر، حتى في أحلك الظروف.
ومن بين هذه الشخصيات، تتجلى قصة حب مأساوية تجمع فارس ورندة، الفتاة الجميلة التي تعمل في مصنع الدخان، حيث كانت الرطوبة القاتلة تهدد العاملات. رغم السجن والمخاطر، لم يفقد فارس حبه لرندة، لكنها فارقت الحياة قبل أن يعود إليها، بينما كان هو يقاتل مع الجيش الفرنسي بحثًا عن حياة كريمة، لتكون نهايته مأساوية، ملقاة على الشاطئ.
المصابيح الزُرق ليست مجرد رواية عن الحرب أو الاحتلال أو الفقر، بل هي دراسة عميقة للإنسان في مواجهة الصعاب. تحكي كيف يمكن للروح أن تبقى حية، وكيف تستمر المحبة والضحك والأمل رغم الألم والجراح. وكما كتب حنا مينا على جدار قهوة أبو خليل:
"ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل."








