سقط التهديد… وبقيت إيران تفرض قواعد الاشتباك
بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
لم تكن مهلة الأيام الخمسة التي لوّح بها دونالد ترامب حدثًا عابرًا في سياق التوترات، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لميزان القوة؛ لا كما يُقاس بالترسانة العسكرية فقط، بل كما يُقاس بصلابة الإرادة وحدود القدرة على تحمّل كلفة المواجهة.
انتهت المهلة… ولم يقع ما هُدِّد به.
وهنا لا يعود السؤال: ماذا سيحدث؟
بل: لماذا لم يحدث؟
في القراءة السطحية، يمكن تفسير ما جرى باعتباره إعادة تموضع أو تكتيكًا مرحليًا، لكن هذه القراءة تغفل عنصرًا جوهريًا في طبيعة الصراع: اختلاف البنية النفسية والعقائدية للأطراف المتقابلة.
فـ إيران—كما تعكس مواقفها—لا تتعامل مع التصعيد بمنطق الربح والخسارة الآنية فقط، بل ضمن إطار عقائدي أوسع، ترى فيه أن الصمود جزء من معركة طويلة، وأن التراجع ليس خيارًا سهلًا في حساباتها السياسية والاستراتيجية. هذه الرؤية، سواء اتُّفِق معها أم لا، تخلق نمطًا مختلفًا من السلوك في إدارة الأزمات.
في المقابل، فإن صانع القرار في واشنطن، ممثلًا بـ دونالد ترامب، يعمل ضمن شبكة معقدة من الحسابات: كلفة الحرب، ردود الفعل الدولية، توازنات الإقليم، والانعكاسات الداخلية. وهذا ما يجعل قرار الذهاب إلى مواجهة مفتوحة ليس مجرد تنفيذ لتهديد، بل خطوة محسوبة العواقب بدقة.
من هنا، يمكن فهم توقف التهديد عند حدّه، ليس فقط بوصفه تراجعًا، ولا مجرد مناورة، بل كنتيجة مباشرة لتصادم مقاربتين مختلفتين:
مقاربة ترى في القوة أداة لفرض الإرادة،
وأخرى ترى في الصمود وسيلة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك.
لقد حملت لحظة انقضاء المهلة رسالة واضحة: أن الردع لم يعد يُبنى فقط على التفوق العسكري، بل على قدرة الطرف المقابل على امتصاص الضغط، وعدم الانكسار تحت سقف التهديد. وهذا بحد ذاته يعيد تعريف موازين القوة في المنطقة.
كما أن بروز خيار التمديد وفتح باب المفاوضات، يعكس إدراكًا بأن أي تصعيد غير محسوب قد يقود إلى نتائج تتجاوز حدود السيطرة، خاصة في بيئة إقليمية قابلة للاشتعال. وهنا، تتحول الدبلوماسية من خيار ثانوي إلى ضرورة استراتيجية.
لكن الأهم في هذه اللحظة، أن إيران لا تبدو في موقع الباحث عن مخرج، بل في موقع من يسعى لترجمة صموده إلى مكاسب سياسية. فالدخول إلى أي مفاوضات—إن حدث—لن يكون بشروط سهلة، بل ضمن معادلة جديدة ترى فيها أن ما لم يُنتزع تحت الضغط لا ينبغي التنازل عنه على الطاولة.
إن ما جرى لا يمكن عزله عن سياق أوسع يشهد تحولات في مفهوم الردع ذاته. فالقوة لم تعد حكرًا على من يمتلك السلاح الأكثر تطورًا، بل على من يملك القدرة على الصمود، وإرباك حسابات الخصم، وفرض إيقاع مختلف للصراع.
في ميزان السياسة، قد لا يُعلَن الانتصار دائمًا بصوتٍ مرتفع،
لكنّه يُقرأ بوضوح… حين يتوقف التهديد، وتبدأ الحسابات من جديد








