أمن الطاقة هو أمن وطني: ماذا يجب على الأردن أن يفعل الآن؟
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
في أوقات السلم، غالبًا ما يُنظر إلى الطاقة على أنها مسألة فنية أو اقتصادية أو بيئية. أما في أوقات الحرب، أو الاضطراب الإقليمي، أو توقعات الأزمات الاقتصادية، فإن الطاقة تكشف عن حقيقتها الكاملة: فهي إحدى الركائز الأساسية للأمن الوطني. وبالنسبة للأردن، تكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة، لأن توليد الكهرباء في المملكة ما يزال يعتمد إلى حدّ كبير على الوقود والغاز المستوردين، ما يعني أن أي انقطاع في خطوط الإمداد الإقليمية، أو النقل البحري، أو أي تصعيد جيوسياسي، أو اضطراب اقتصادي حاد، يمكن أن يتحول سريعًا إلى تهديد مباشر لتوليد الكهرباء، واستمرار الصناعة، وضخ المياه، والخدمات العامة، والحياة اليومية للمواطنين.
من هنا، يجب على الأردن أن يتعامل مع حماية منظومة توليد الطاقة الكهربائية ليس بوصفها مسألة هندسية فحسب، بل باعتبارها أولوية سيادية واستراتيجية من الدرجة الأولى. فالدولة التي تعتمد بصورة مفرطة على الطاقة المستوردة تبقى مكشوفة ليس فقط أمام تقلبات الأسعار، بل أيضًا أمام الضغوط السياسية، وتعطل الإمدادات زمن الحروب، والهشاشة الاستراتيجية. وفي مثل هذه الظروف، لا يعود السؤال مقتصرًا على كيفية إنتاج الكهرباء بأقل كلفة فقط، بل يصبح السؤال الأهم: كيف نحافظ على الاستمرارية والمرونة وقدرة الدولة على اتخاذ قرارها الوطني بحرية في أوقات الضغط.
والجواب الاستراتيجي واضح: على الأردن أن يسرّع انتقاله نحو مصادر الطاقة البديلة والمحلية، لا باعتبار ذلك ترفًا، ولا شعارًا بيئيًا تدريجيًا، بل باعتباره ضرورة وطنية عاجلة. إن الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وأنظمة التخزين، والتوليد اللامركزي، يجب أن تُنظر إليها اليوم بوصفها أدوات من أدوات صمود الدولة. فكل ميغاواط يُنتج محليًا يخفف من التعرض للصدمات الخارجية. وكل منزل، أو مزرعة، أو مصنع، أو مؤسسة، يستطيع أن يولّد جزءًا من احتياجاته الكهربائية، يصبح وحدة صغيرة ولكنها ثمينة في منظومة التحمل الوطني. بل إن أهمية هذه البدائل تتضاعف في حال تعرّض إمدادات الكهرباء للانقطاع نتيجة تعطل أو عجز في القدرة على التوليد، إذ لا تعود مصادر الطاقة البديلة عندئذٍ مجرد خيار إضافي، وإنما تصبح ضرورة حيوية لضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وحماية المرافق الحيوية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، يجب التعامل مع التوسع في توليد الكهرباء الشمسية المنزلية على أنه مصلحة عامة وأولوية استراتيجية عاجلة. ولا يجوز أن يبقى هذا التوسع أسير الإجراءات البطيئة، والموافقات المعقدة، والتردد الإداري. فكل مواطن أو مؤسسة يستوفي المتطلبات الفنية وشروط السلامة الخاصة بتركيب نظام شمسي منزلي، يجب أن يحصل على الموافقة خلال مدة لا تتجاوز 48 ساعة كحد أقصى. ويجب أن يتحول ذلك إلى معيار وطني واضح. إن تأخير هذه الموافقات في بلد يسعى إلى تقليل اعتماده على الطاقة المستوردة ليس مجرد بطء بيروقراطي، بل هو إضعاف مباشر لقدرة الأردن على الصمود في اللحظة التي يكون فيها الصمود أكثر إلحاحًا.
قد يقول البعض إن شبكة الكهرباء ليست جاهزة بالكامل بعد لاستيعاب التوسع السريع في الربط المنزلي الشمسي على الشبكة. وحتى إن وُجدت مثل هذه المخاوف، فلا يجوز أن تتحول إلى مبرر للتأخير. فهناك حلول فنية انتقالية يمكن اعتمادها فورًا. فعلى سبيل المثال، يمكن السماح بتشغيل هذه الأنظمة من خلال آلية فنية مناسبة تعتمد على نظام تحويل، يتيح للمنزل استخدام الطاقة الشمسية عند توفرها، ثم العودة إلى التغذية من شركة الكهرباء ليلًا أو خلال فترات ضعف الإشعاع الشمسي، مثل الأجواء الغائمة. وبمعنى آخر، فإن عدم الجاهزية الكاملة للشبكة لا ينبغي أن يقود إلى الشلل المؤسسي. فالحلول العملية الانتقالية متاحة، والأردن قادر على اعتمادها بالتوازي مع تطوير الشبكة وتعزيز قدرتها على الاستيعاب.
وعلى المستوى الوطني، ينبغي للأردن أن يتحرك على ثلاثة مسارات متوازية. أولًا، تأمين الاستمرارية الطارئة لمصادر التزويد التقليدية من خلال الاحتياطيات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الوقود، وإعداد خطط طوارئ لحماية أصول توليد الكهرباء الحساسة. ثانيًا، تسريع تحقيق السيادة الطاقية المحلية عبر التوسع السريع في مشاريع الطاقة المتجددة، وأنظمة التخزين، وحلول التوليد اللامركزي. ثالثًا، خفض مستوى الهشاشة العامة عبر رفع كفاءة استخدام الطاقة في المنازل، والصناعة، والبنية التحتية للمياه، والمؤسسات العامة. فالدولة المرنة ليست فقط تلك التي تستطيع أن تنتج طاقة أكثر، بل أيضًا تلك التي تستطيع أن تتحمل بفاقد أقل ومرونة أعلى.
أما الدرس الاستراتيجي الأكبر، فهو أن الاعتماد المركزي المفرط يعني الهشاشة، بينما تعني القدرة الموزعة المرونة والصمود. ففي السنوات المقبلة، لن يُقاس نجاح الأردن فقط بعدد الميغاواطات التي يضيفها، بل بمدى حكمة البنية التي يؤسسها. فإذا بقي قطاع الطاقة شديد الارتباط بالإمدادات الخارجية، فإن المملكة ستظل تحمل في داخلها خطرًا استراتيجيًا هيكليًا. أما إذا نجح الأردن في الجمع بين التوليد المركزي، والتوسع في الطاقة الشمسية اللامركزية، والتخزين، وتسريع مشاركة المواطنين، فإنه لن يحسن مزيج الطاقة فحسب، بل سيعزز مناعته الوطنية.
إن مستقبل أمن الطاقة في الأردن لا يستطيع انتظار الظروف المثالية. بل يجب أن يُبنى في ظل الظروف الحالية، وبأقصى درجات الإلحاح والواقعية والوضوح الاستراتيجي. فالطريق معروف، والتكنولوجيا موجودة، والمصلحة الوطنية ،واضحة. وما هو مطلوب الآن هو القرار، والسرعة، والانضباط في التعامل مع أمن الطاقة على حقيقته: بوصفه أحد الأسس الجوهرية لسيادة الأردن، واستقراره، وقدرته على الصمود.
تنويه:
يمثل هذا المقال الآراء الشخصية والتفسيرات المهنية والاجتهادات الفكرية للمهندس نبيل إبراهيم حدّاد، وهو مخصص حصريًا لأغراض معرفية وتثقيفية، ولا يُعدّ استشارة مهنية أو قانونية أو تعاقدية.
وقد بذل الكاتب كل جهد ممكن لضمان الدقة، إلا أنه لا يتحمل أي مسؤولية، من أي نوع، عن أي خطأ أو سهو أو عن أي استخدام أو اعتماد على المعلومات الواردة فيه. ويُنصح القرّاء والمؤسسات بممارسة حكمهم المستقل وتكييف ما ورد هنا بما يتناسب مع ظروفهم الخاصة.








