لماذا يغضب كثير من الأردنيين من إيران، ومع ذلك لا يعتبرونها العدو الرئيسي؟
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
إن المزاج الأردني تجاه الحرب الدائرة في الإقليم ليس متناقضًا كما قد يظن البعض، بل هو في الحقيقة مزاج سياسي واستراتيجي تشكّل بفعل الجغرافيا، والتاريخ، والهوية الوطنية، وذاكرة طويلة من التهديدات. فالأردنيون قد يغضبون حين تؤدي أفعال إيران، أو أفعال الجهات المرتبطة بها، إلى تعريض الأرض الأردنية أو الأجواء الأردنية أو الاستقرار الداخلي للخطر. وفي الوقت نفسه، فإن كثيرين منهم لا يعتبرون إيران العدو الرئيسي. وهذه التفرقة أساسية لفهم العقل الوطني الأردني.
فالمسألة عند كثير من الأردنيين ليست في وجود خلافات مع إيران من عدمه؛ فالخلافات موجودة وكثيرة. وقد تتعلق هذه الخلافات بالنفوذ الإقليمي، وأساليب التدخل، والسياسات المذهبية، وحروب الوكالة، وخطر تحويل الأراضي العربية إلى ساحات تصفية حسابات خارجية. والأردنيون لا يرحبون بأن تقوم أي قوة، قريبة كانت أم بعيدة، باستخدام الإقليم بطريقة تهدد سيادة الأردن أو تزجه في صراعات ليست من اختياره. وعندما يتعرض الأردن لخطر عسكري، فإن الغضب الشعبي يكون طبيعيًا ومبررًا.
لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن إيران هي التهديد الوجودي للأردن.
فبالنسبة لشريحة واسعة جدًا من الرأي العام الأردني، يبقى الخطر الأكثر ديمومة والأعمق أثرًا هو إسرائيل. وهذه النظرة لها جذور عميقة؛ فهي لا ترتبط فقط باحتلال الأرض الفلسطينية، بل أيضًا بالتوسع الاستيطاني، والمحاولات المتكررة لتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية، والتصريحات الإسرائيلية المتكررة التي يفسرها الأردنيون باعتبارها تمس الأمن الاستراتيجي الأردني على المدى البعيد. وقد رفض الموقف الأردني الرسمي مرارًا الضم، والتهجير القسري، وفكرة تحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين. وفي شباط 2025، جدّد الأردن رفضه لأي محاولة لضم الأرض أو تهجير الفلسطينيين، كما حذرت الجهات الأردنية الرسمية من أن مثل هذه الطروحات تهدد استقرار المملكة نفسها.
ولهذا السبب لا يتفاعل كثير من الأردنيين عاطفيًا مع معاناة إسرائيل بالطريقة التي قد يتوقعها البعض. فهم يقرؤون المشهد من زاوية مختلفة. إذ لا يرون إسرائيل مجرد دولة تتعرض لهجوم في لحظة معينة، بل يرونها الدولة التي أنتجت، عبر عقود، الاحتلال، والاقتلاع، والحروب المتكررة، والضغط الاستراتيجي المباشر على الأردن. وقد ازداد هذا الشعور عمقًا كلما اقترب الخطاب الإسرائيلي المتطرف من أفكار الضم، أو ما يسمى “إسرائيل الكبرى”، أو الخرائط واللغة السياسية التي توحي بإنكار الحقائق السياسية المستقرة في المنطقة. وفي آب 2025، أدان الأردن رسميًا تصريحات بنيامين نتنياهو المرتبطة برؤية “إسرائيل الكبرى”، واعتبرها استفزازية ومزعزعة للاستقرار.
وعليه، فإن الموقف الأردني لا يقوم على حب لإيران، ولا على اصطفاف أيديولوجي معها، بل يقوم على ترتيب للأخطار. وضمن هذا الترتيب، قد يرى كثير من الأردنيين أن إيران دولة توجد معها خلافات عميقة، لكنها ليست بالضرورة الخصم التاريخي أو الوجودي الأول. أما إسرائيل، فترى فيها شريحة واسعة مصدر الخطر الاستراتيجي الأكثر رسوخًا، لأن القضية الفلسطينية ليست قضية خارجية عن الوعي الأردني، بل هي مرتبطة بالديموغرافيا، والجغرافيا، والاستقرار السياسي، والأمن الوطني الأردني.
ومن هنا يمكن فهم كيف يشعر كثير من الأردنيين بأمرين في الوقت نفسه: الغضب عندما يتعرض الأردن للخطر بفعل أفعال إيرانية، وعدم التعاطف الحقيقي عندما تتعرض إسرائيل للضرب. وقد يبدو ذلك لبعض المراقبين من الخارج تناقضًا، لكنه بالنسبة لكثير من الأردنيين منطق كامل الاتساق. فقد يكون هناك طرف يهددك في حادثة محددة، بينما يبقى طرف آخر، في تقديرك، هو الخطر الأعمق والأطول أمدًا.
وتنسجم استطلاعات الرأي العربية الأوسع مع هذا المناخ. فقد أظهر “المؤشر العربي 2024–2025” أن إسرائيل جاءت في المرتبة الأولى باعتبارها التهديد الأكبر لأمن المنطقة العربية واستقرارها، متقدمة على إيران، كما رأى 84% من المستجيبين أن السياسات الإسرائيلية تهدد أمن المنطقة واستقرارها. وهذه أرقام عربية عامة وليست أردنية فقط، لكنها تساعد في تفسير سبب تمركز الخوف الاستراتيجي، في الوعي الأردني والعربي، حول إسرائيل أكثر من إيران.
كما أن موقف الدولة الأردنية نفسه يعكس هذا المنطق المزدوج. فالمملكة تؤكد أنها ستدافع عن سيادتها، ولن تقبل بأي تهديد لأرضها أو أجوائها من أي جهة كانت. وفي الوقت نفسه، كانت القيادة الأردنية واضحة في أن السياسات الإسرائيلية المتطرفة، ومنطق الضم، ومشاريع التهجير، لا تهدد فلسطين وحدها، بل تهدد الإقليم كله وتهدد الأردن مباشرة. وفي أيلول 2025، حذّرت الأردن في القمة العربية الإسلامية الطارئة من أن الخطر الذي تمثله الحكومة الإسرائيلية المتطرفة لا يتوقف عند حدود معينة.
والنتيجة أن المزاج الأردني ليس حالة ارتباك عاطفي، بل هو حالة من التقدير الاستراتيجي المركب. فقد تُرى إيران بوصفها فاعلًا خطرًا في لحظات معينة، لكن إسرائيل تبقى، في نظر كثيرين، التحدي الأعمق، لأنها تجمع بين القوة العسكرية، والطموح الإقليمي، والاحتلال، والمشروع السياسي الذي يخشى الأردنيون أن يأتي يوم ويمتد أثره المباشر إلى الأردن نفسه.
ولهذا يقول كثير من الأردنيين، في الجوهر: نعم، قد نختلف مع إيران، وقد نرفض أي فعل إيراني يضر بالأردن، لكننا لا نعتبرها بالضرورة العدو الرئيسي. فالعدو هو إسرائيل التي تحتل فلسطين، وتوسع الاستيطان، وتلوّح بخطاب جغرافي وسياسي خطير، ويُنظر إليها على أنها تلقي بظلها على مستقبل الأردن نفسه.
وهذا ليس مجرد شعار، بل قراءة استراتيجية للإقليم كما يفهمه كثير من الأردنيين.
تنويه:
يمثل هذا المقال الآراء الشخصية، والتفسيرات، والرؤى المهنية للمهندس نبيل إبراهيم حدّاد. وهو مخصص حصريًا لأغراض معلوماتية وتثقيفية، ولا يشكل نصيحة مهنية أو قانونية أو تعاقدية.
وقد بذل الكاتب كل جهد ممكن لضمان الدقة، إلا أنه لا يتحمل أي مسؤولية أو التزام من أي نوع عن أي أخطاء أو سهو أو عن استخدام المعلومات الواردة فيه أو الاعتماد عليها. ويُنصح القراء والجهات المعنية بممارسة تقديرهم الخاص وتكييف ما ورد في هذا المقال مع ظروفهم الخاصة.








