إلى متى تستطيع أمريكا وإسرائيل مواصلة الحرب على إيران؟
قراءة في حدود القوة، وكلفة الاستنزاف، ومنطق التحمّل الاستراتيجي
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
ليست الحروب الكبرى مجرد اختبارٍ لحجم النيران، ولا مسألة تُحسم بما تملكه الجيوش من طائرات، وصواريخ وحاملات وقواعد. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، ليست سوى أحد وجوه المعادلة، أما الوجه الآخر ـ وهو الأشدّ خطورةً والأعمق أثرًا ـ فهو القدرة على التحمّل، والصبر السياسي، والسعة الاقتصادية، وتماسك الجبهة الداخلية، وانضباط التحالفات، والقدرة على الاستمرار من دون أن تتحول كلفة الحرب إلى عبءٍ يأكل منطقها ويهدم أهدافها من الداخل.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي في أي مواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليس: من الأقوى عسكريًا؟ فهذا يكاد يكون محسومًا في الحسابات التقليدية. وإنما السؤال الأهم والأدق هو: إلى متى تستطيع واشنطن وتل أبيب مواصلة هذه الحرب قبل أن تبدأ كلفتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في الارتفاع إلى مستوى يهدد جدواها ذاتها؟
من الناحية العسكرية البحتة، لا خلاف على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تفوقًا نوعيًا هائلًا في سلاح الجو، والاستخبارات، والاستطلاع، والقدرات الضاربة الدقيقة، والقيادة والسيطرة، والامتداد اللوجستي، والدعم التكنولوجي. غير أن التاريخ لم يكن يومًا سجلًا لانتصار القوة المجردة وحدها، بل كان ـ في كثير من محطاته الحاسمة ـ سجلًا لصمود من عرف كيف يتحمل أكثر، ويعيد تنظيم نفسه أسرع، ويحوّل البقاء في الميدان إلى ورقة ضغطٍ على خصمه الأقوى. فكم من قوةٍ كبرى امتلكت آلة حرب ساحقة، لكنها وجدت نفسها، بعد زمن، في مواجهة سؤال أشدّ قسوة من سؤال النصر العسكري: هل ما زال ثمن الاستمرار مقبولًا؟
في هذا السياق، تبدو الإشارة الصادرة من واشنطن ذات دلالة عميقة. فعندما يُقال إن الأهداف يمكن تحقيقها من دون قوات برية، وإن أفق العملية يُقاس بالأسابيع لا بالأشهر، فإن هذا لا يُقرأ بوصفه تفصيلًا تكتيكيًا، بل باعتباره تعبيرًا واضحًا عن إدراك أمريكي لحدود التورط الممكن، ورغبة في إبقاء الحرب داخل سقف مضبوط، لا يسمح لها بالتحول إلى مستنقعٍ إقليمي مفتوح. فالدول العظمى، مهما بلغت قوتها، لا تدخل كل حرب وهي مستعدةٌ لتحمل جميع مآلاتها. وفي كثير من الأحيان، لا يكون التحدي الحقيقي هو بدء الضربات، بل القدرة على وقفها عند النقطة التي لا تنقلب فيها المكاسب العسكرية إلى خسائر استراتيجية.
أما إسرائيل، فإن وضعها ـ رغم تفوقها العسكري الكبير ـ يبقى أكثر حساسية. فهي قادرة على خوض حرب شديدة الكثافة، وقادرة على إلحاق ضرر بالغ، لكنها أقل قدرة على احتمال حرب استنزاف طويلة متعددة الجبهات ومفتوحة الكلفة. فالمشكلة هنا ليست في الكفاءة أو التصميم، بل في حقيقة أن الدولة الصغيرة، مهما كانت متقدمة عسكريًا، تظل أكثر تعرضًا لضغط التعبئة، واستنزاف الاقتصاد، وقلق المجتمع، واهتزاز الثقة، وتراكم الكلف السياسية والمالية مع كل يوم إضافي من الحرب. إن أخطر ما يواجهه هذا النوع من الدول ليس نفاد القدرة الفورية، بل ضيق هامش المناورة كلما طال أمد الصراع.
أما الولايات المتحدة، فهي بلا شك الأوسع قدرةً والأعمق مخزونًا والأطول نفسًا من الناحية المادية. فهي تملك ما يمكّنها من تمويل العمليات، وإدامة الإسناد، وتدوير القوات، وحماية الممرات، وإعادة تموضع القوة متى أرادت. ولكن حتى القوة الأمريكية ليست خارج قانون السياسة والاقتصاد والرأي العام. فالحرب التي ترفع أسعار الطاقة، وتُشعل مخاوف التضخم، وتؤثر في مزاج الناخب، وتزيد احتمال الخسائر البشرية، ليست حربًا مريحة لأي إدارة أمريكية، حتى لو كانت قابلة للاستمرار عسكريًا. وفي الأنظمة الديمقراطية تحديدًا، لا تُقاس القدرة على الحرب فقط بما لدى الدولة من مخازن، بل أيضًا بما لدى المجتمع من صبر، وما لدى القيادة من قدرة على إقناع الداخل بأن الكلفة ما تزال مبررة، وأن الأفق السياسي للحرب لم يضِع.
غير أن الخطأ الأكبر يكمن في قياس إيران بمقياس الحرب التقليدية وحدها. فإيران لا تحتاج، لكي تُربك خصومها، إلى أن تهزمهم هزيمةً عسكرية مباشرة على الطريقة الكلاسيكية. يكفيها أن تبقى، وأن ترد، وأن تعطل، وأن ترفع الكلفة، وأن تحرم الطرف المقابل من نصرٍ سريعٍ ونظيفٍ ورخيص. وهنا تحديدًا تكمن خطورة القراءة السطحية. فالدولة التي لا تستطيع مجاراة خصمها في التماثل العسكري، قد تلجأ إلى شيء أكثر تأثيرًا: تحويل تفوق خصمها إلى عبءٍ عليه، ونقل المعركة من ساحة الحسم السريع إلى ساحة الإرهاق الطويل.
والتاريخ الإيراني في هذا الباب لا يجوز الاستخفاف به. ففي الحرب العراقية الإيرانية، لم تكن إيران تواجه مجرد ضغطٍ عابر، بل كانت تواجه غزوًا واسعًا، واحتلالًا لأجزاء من أراضيها، وضرباتٍ على المدن، واستنزافًا بالغ القسوة، ودعمًا خارجيًا كبيرًا للعراق. ومع ذلك، لم تنهَر الدولة الإيرانية، ولم تستسلم، ولم تنكسر إرادتها السياسية على الرغم من حجم الألم، ولا على الرغم من اختلال موازين القوة والدعم في مراحل عديدة من الحرب. لقد أثبتت تلك الحرب أن إيران قد تخسر مواقع، وتُضرب منشآت، وتتعرض عاصمتها ومدنها للقصف، لكنها ليست دولةً يسقط قرارها السياسي لمجرد اتساع الخسائر أو اشتداد النيران.
بل إن ما عُرف لاحقًا بـ"حرب المدن" قدّم مثالًا أكثر قسوة على هذا المعنى. فقد تعرّضت المراكز الحضرية الإيرانية، وفي مقدمتها طهران، لضربات متكررة، ومع ذلك استمر البلد في القتال. وهذه ليست ملاحظة عابرة، بل درس استراتيجي بالغ الأهمية: فثمة دول يمكن أن يفرض عليها الألم إعادة الحساب، وثمة دول أخرى قد يدفعها الألم إلى مزيد من التصلب. وإيران، تاريخيًا، أقرب إلى الصنف الثاني من الصنف الأول. ولذلك فإن الرهان على أن كثافة الضربات وحدها كفيلة بإنتاج استسلام سريع، هو رهان يحتاج إلى كثير من الحذر، بل وربما إلى كثير من الشك.
وهناك بعدٌ شخصي وعملي يجعل هذه الخلاصة أكثر رسوخًا في ذهني. فقد زرتُ بنفسي محطة اتصالات أرضية في إيران، وقيل لي إنها تعرّضت لاثنتين وثلاثين ضربة عراقية خلال الحرب. وما بقي في الذاكرة لم يكن فقط حجم الدمار، بل قدرة الإيرانيين على إعادة البناء، واستعادة الوظيفة، وإحياء المنشأة بعد ذلك الكمّ الهائل من الضربات. ومنذ تلك الزيارة، ترسخ لدي انطباع استراتيجي واضح: إن إيران ليست بلدًا يُقاس فقط بما يمكن تدميره فيه، بل أيضًا بما يملكه من قابلية للتعافي، وإعادة التكوين، واستمرار الوظيفة تحت الضغط. وهذه نقطة كثيرًا ما تغيب عن الحسابات المتسرعة التي تخلط بين إيقاع الضرر وبين حتمية الانهيار.
ومن هنا، فإن عامل الزمن لا يعمل بالطريقة نفسها على طرفي الصراع. بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، كل يوم إضافي يعني ارتفاعًا في الكلفة، واتساعًا في مساحة المخاطر، وتزايدًا في احتمالات الخطأ، وتآكلًا تدريجيًا في راحة القرار السياسي. أما بالنسبة لإيران، فإن الزمن قد يتحول إلى فرصة، إذا استطاعت أن تنقل الحرب من صورة المواجهة المباشرة إلى صورة الاضطراب الإقليمي الأشمل: تهديد الملاحة، ضغط الوكلاء، استنزاف الأسواق، وتوليد القلق في الممرات الحيوية للطاقة والتجارة. وبهذا المعنى، لا تصبح الحرب معركةً بين من يضرب أكثر فقط، بل بين من ينجح في جعل استمرارها أكثر إيلامًا لخصمه.
ويبرز هنا مضيق هرمز بوصفه أحد أهم مفاتيح هذه المعادلة. فالمسألة لا تتعلق فقط بموقع جغرافي حساس، بل بشريان عالمي تمسّ اضطراباته أسواق النفط، وكلفة الشحن، والتأمين، وثقة المستثمرين، واستقرار الموازنات، ومزاج الاقتصاد الدولي برمته. ولهذا، فإن قدرة إيران على تهديد هذا المسار، أو مجرد إبقائه في دائرة الخطر، تمنحها ورقة استراتيجية لا يُستهان بها، حتى في ظل فجوة التفوق العسكري. فالدول لا تربك خصومها أحيانًا بما تملكه من قوة مماثلة، بل بما تملكه من قدرة على تعميم الكلفة وتوسيع نطاق القلق.
كذلك، لا بد من التمييز الحاسم بين إضعاف القدرة وإزالة القدرة. فإلحاق الضرر بمواقع الصواريخ، أو البنية القيادية، أو الأصول البحرية، أو المخازن، قد يكون ممكنًا ومؤثرًا. لكن تحويل ذلك إلى نهاية سياسية مستقرة أمر آخر تمامًا. فإذا كان المقصود من الحرب هو الإضعاف العقابي المحدود، فقد يبقى أفقها قصيرًا نسبيًا. أما إذا تمددت الأهداف تدريجيًا لتصبح تحييدًا كاملًا، أو استسلامًا استراتيجيًا، أو تغييرًا فعليًا في بنية الحكم، فإن الحرب تدخل فورًا في منطقة أشدّ خطورة وكلفة وعدم يقين. وفي تلك اللحظة، تبدأ القوة المتفوقة نفسها بمواجهة خطر التمدد الزائد؛ أي ذلك المرض الاستراتيجي الذي أصاب قوى كبرى كثيرة حين ظنّت أن القدرة على التدمير تكفي وحدها لصناعة نظامٍ جديد.
ومن منظور إدارة المخاطر، يمكن القول إن هناك ثلاث ساعات تعمل معًا في هذا الصراع. الساعة الإسرائيلية هي الأقصر في الحرب عالية الكثافة، لأن ضغطها المالي والاجتماعي والاستراتيجي يتراكم بسرعة. والساعة الأمريكية هي الأطول عسكريًا، لكنها ليست بلا نهاية سياسيًا واقتصاديًا. أما الساعة الإيرانية، فقد تتضرر تقليديًا، لكنها تبقى فعالة في بعد آخر: بعد التعطيل، والصمود، والقدرة على إطالة أمد الكلفة. ولذلك فإن القضية الحاسمة ليست: من يستطيع نظريًا أن يطلق النار مدة أطول؟ بل: من يبدأ أولًا بالشعور بأن نظامه الوطني، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بات يتحمل أكثر مما ينبغي؟
وفي تقديري، تستطيع أمريكا وإسرائيل مواصلة حملة عالية الكثافة ضد إيران لأسابيع، وربما لأشهر محدودة، ما دامت الأهداف ضيقة وواضحة ومحددة عمليًا. لكن كلما اقتربت الحرب من صورة المواجهة الإقليمية المفتوحة، انقلبت المعادلة تدريجيًا. عندئذٍ تبدأ الكلفة بالتصاعد أسرع من العائد، ويزداد ضغط النفط والطاقة، ويتشدد الداخل السياسي، وتصبح التحالفات أكثر حذرًا، وتغدو الأسواق أكثر توترًا، فيما قد تنجح إيران ـ رغم ما قد يلحق بها من ضرر بالغ ـ في نقل المعركة من ساحة التفوق العسكري إلى ساحة الاستنزاف الاستراتيجي.
وهنا تكمن الخلاصة الدقيقة: نعم، تستطيع أمريكا وإسرائيل أن تقاتلا إيران مدة أطول منها بالمعنى العسكري التقليدي، لكنهما لا تستطيعان فعل ذلك إلى ما لا نهاية وبكلفة سياسية واقتصادية واستراتيجية مقبولة. فإذا بقيت الحرب في حدود الضربة العقابية ذات الأهداف المحددة، فقد تكون قابلة للاستمرار لفترة محدودة. أما إذا انزلقت إلى مواجهة مفتوحة بلا أفق سياسي واضح، فإن حدود القوة ستظهر سريعًا، ليس لأن السلاح سينفد، بل لأن الشرعية ستتآكل، والكلفة ستتضخم، وصبر المجتمعات سيتراجع، ومخاطر النتائج غير المقصودة ستتسع.
ذلك أن الحروب، في النهاية، لا تُحسم فقط بما يُلقى من السماء، بل أيضًا بما يتآكل على الأرض: الثقة، والقدرة، والاقتصاد، والتحالف، والاحتمال. ولهذا، فإن ساحة المعركة الحقيقية ليست فقط في سماء إيران، ولا في مياه الخليج، بل في ذلك الميزان الدقيق بين النجاح العسكري من جهة، وخطر التمدد الاستراتيجي الزائد من جهة أخرى. ومن لا يقرأ هذا الميزان جيدًا، قد يربح جولات النار، لكنه يخسر منطق الحرب نفسه.
إخلاء مسؤولية:
يمثل هذا المقال الآراء الشخصية، والتفسيرات، والمواقف المهنية للمهندس نبيل إبراهيم حدّاد، وهو مخصص حصريًا لأغراض معلوماتية وتثقيفية، ولا يُعد نصيحة مهنية أو قانونية أو تعاقدية.
وقد بذل الكاتب كل جهد ممكن لضمان الدقة، إلا أنه لا يتحمل أي مسؤولية، من أي نوع كانت، عن أي أخطاء أو سهو أو عن أي استخدام أو اعتماد على المعلومات الواردة فيه. ويُنصح القرّاء والمؤسسات بممارسة تقديرهم الخاص وتكييف ما ورد في هذا المقال بما يتناسب مع ظروفهم الخاصة.








