الجامعات الأردنية وصناعة الوعي في زمن الفوضى الرقمية

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

رشا سفيان الأحمد
لم تعد الجامعات الأردنية اليوم مؤسسات تعليمية تقتصر مهمتها على نقل المعرفة داخل قاعات الدراسة، بل أصبحت في قلب معركة الوعي التي يفرضها الواقع الرقمي المتسارع وما يرافقه من تدفق هائل للمعلومات والأفكار والمحتوى المتباين في المصداقية والتأثير.
وفي ظل الظروف الراهنة وما يشهده العالم من تحولات متسارعة على مستوى الإعلام والاتصال والتأثير المجتمعي باتت الجامعات مطالبة بدور يتجاوز التعليم التقليدي إلى بناء الطالب الواعي القادر على التمييز بين الحقيقة والتضليل وبين المعرفة الرصينة والمحتوى الموجّه وبين حرية التعبير والفوضى المعلوماتية.
فالتحدي اليوم لم يعد في الوصول إلى المعلومة لأن المعرفة أصبحت متاحة بضغطة زر وإنما في القدرة على تقييمها وفهم سياقها والتحقق من مصادرها واستخدامها بشكل مسؤول يخدم الفرد والمجتمع ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي تؤديه الجامعات في تنمية التفكير النقدي لدى الطلبة وتعزيز قدرتهم على التحليل والمساءلة وعدم الانجرار خلف الشائعات أو الخطابات الانفعالية أو المعلومات المضللة.
كما يقع على عاتق الجامعات الأردنية دور محوري في ترسيخ القيم الأخلاقية المرتبطة باستخدام التكنولوجيا والفضاء الرقمي وفي مقدمتها احترام الملكية الفكرية والالتزام بالمصداقية والموضوعية وتحري الحقيقة قبل النشر أو التفاعل أو إعادة التداول فالمسؤولية الرقمية لم تعد مسألة فردية فحسب بل أصبحت جزءًا من منظومة الحماية المجتمعية وصون الوعي العام.
ولا يقتصر هذا الدور على المناهج الدراسية وحدها، بل يمتد إلى البيئة الجامعية بكل مكوناتها من خلال تفعيل الأنشطة اللامنهجية وعقد الدورات التدريبية والندوات والجلسات الحوارية وبرامج التوعية التي تسهم في بناء ثقافة رقمية ناضجة لدى الطلبة وتمنحهم أدوات التعامل الواعي مع المنصات الرقمية ومحتواها المتغير.
وتكمن أهمية البيئة الجامعية أيضًا في كونها مساحة طبيعية للحوار والانفتاح الفكري وتبادل الرأي وهو ما يساعد الطلبة على تقبل الاختلاف وتكوين مواقف قائمة على الفهم والمعرفة لا على التلقي السلبي أو الاصطفاف العاطفي أو الانسياق خلف السرديات الجاهزة.
وقد أثبتت الجامعات الأردنية خلال السنوات الماضية قدرتها على مواكبة التحولات الحديثة من خلال تطوير مناهجها التعليمية وإدماج التكنولوجيا في العملية التعليمية وتعزيز التعليم الإلكتروني وتوفير المنصات والموارد الرقمية التي تسهم في توسيع آفاق الطلبة وتطوير أدواتهم المعرفية كما أنها عملت على دعم مهارات البحث العلمي والتفكير التحليلي والعمل الجماعي، وهي جميعها عناصر أساسية في بناء شخصية جامعية متوازنة وواعية.
إن الحاجة اليوم لم تعد إلى طالب يحمل شهادة فقط، بل إلى شاب يمتلك وعيًا وقدرة على الفهم والتمييز والانخراط الإيجابي في قضايا وطنه ومجتمعه ومن هنا فإن الجامعات الأردنية تؤدي دورًا وطنيًا يتجاوز حدود التعليم إلى الإسهام في حماية الوعي العام وصناعة جيل أكثر نضجًا ومسؤولية في مواجهة تحديات العصر الرقمي.
وفي المحصلة تبقى الجامعات الأردنية إحدى أهم ركائز بناء الإنسان الواعي القادر على مواكبة التحولات المتسارعة ليس فقط من خلال ما يتلقاه من معرفة، بل من خلال ما يكتسبه من وعي ومهارة ومسؤولية وانتماء.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences