عقوبة الإعدام كأداة حرب… حين يتحوّل القانون إلى سلاح في وجه العدالة
بقلم: المحامي إسلام الحرحشي/ مدير مركز إحقاق للدراسات القانونية
في لحظةٍ تبدو فيها القواعد القانونية الدولية وكأنها آخر ما تبقّى من توازن في عالمٍ مضطرب، يأتي إقرار إسرائيل لقانون يوسّع نطاق عقوبة الإعدام ليكشف حقيقة أكثر خطورة: لم يعد القانون إطارًا للعدالة، بل أداةً للصراع.
هذا القانون، الذي يُقدَّم تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي والاحتلالي الذي يُطبّق فيه. فحين تُسنّ قواعد عقابية استثنائية ضد فئة محددة من السكان الخاضعين للاحتلال، فإننا لا نكون أمام تشريع جنائي عادي، بل أمام إعادة هندسة للعدالة بما يخدم ميزان القوة، لا ميزان الحق.
الحق في الحياة… أول الضحايا
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بوضوح على أن الحق في الحياة هو حق أصيل لا يجوز المساس به إلا في أضيق الحدود، وفي “أشد الجرائم خطورة”. لكن تحويل الإعدام إلى أداة ردع في سياق نزاع سياسي، وتحت توصيفات فضفاضة كـ“الإرهاب”، يفتح الباب أمام توسيع هذه العقوبة خارج نطاقها الاستثنائي، ليصبح الإعدام سياسة لا استثناء.
عدالة انتقائية… حين يُقاس الدم بالهوية
المشكلة لا تكمن فقط في العقوبة، بل في من تُطبّق عليه. فإذا كان القانون يُستخدم عمليًا ضد الفلسطينيين دون غيرهم في ظروف مماثلة، فإننا أمام نموذج صارخ للتمييز، يخالف بشكل مباشر الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، ويحوّل العدالة إلى أداة فرز عرقي، لا ميزانًا محايدًا للحق.
محاكم عسكرية… وعدالة منقوصة
إن إخضاع المدنيين لمحاكم عسكرية، مع تقليص فرص الاستئناف، في قضايا تصل عقوبتها إلى الإعدام، يُعدّ انتهاكًا صريحًا لمبادئ المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فالعدالة التي تُبنى على إجراءات استثنائية، هي في جوهرها عدالة مشكوك في نزاهتها، مهما حملت من عناوين قانونية.
في ظل الاحتلال… القانون يفقد حياده
وفقًا لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، تلتزم قوة الاحتلال بحماية السكان المدنيين، لا إخضاعهم لنظام عقابي مشدد يتجاوز الحدود الدنيا للضمانات. وعندما تتحول هذه القوة إلى مشرّع وقاضٍ ومنفّذ في آنٍ واحد، فإن مفهوم العدالة ذاته يصبح رهينةً للسلطة، لا للقانون.
انحراف عن المسار الإنساني العالمي
بينما يتجه العالم، بقيادة الأمم المتحدة، نحو تقليص عقوبة الإعدام وصولًا إلى إلغائها، يأتي هذا القانون ليعكس الاتجاه، ويعيد إحياء العقوبة في أكثر صورها قسوة، وفي أكثر السياقات حساسية: سياق الصراع والاحتلال.
القانون كسلاح… لا كمرجعية
القراءة الأعمق لهذا التشريع تكشف أنه ليس مجرد تعديل قانوني، بل جزء من استراتيجية أوسع يمكن وصفها بـ“تسليح القانون”. فبدل أن يكون القانون أداة لضبط الصراع، يُعاد تشكيله ليصبح أحد أدواته. وبدل أن يكون القضاء مساحةً لتحقيق العدالة، يتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج موازين القوة.
هنا، لا يعود السؤال: هل هذا القانون قانوني؟
بل يصبح السؤال الأهم: هل ما زال القانون، في ظل هذه الممارسات، قادرًا على أن يكون عادلًا؟
وفي الختام، بات جليًا أنه حين يُستخدم القانون لتبرير الإعدام، والعدالة لتكريس التمييز، والقضاء لإدارة الصراع، فإننا لا نكون أمام أزمة قانون… بل أمام انهيار فكرة العدالة ذاتها.
وفي عالمٍ تُكتب فيه القوانين تحت وقع القوة، لا يبقى للعدالة سوى صوتٍ واحد: أن تُفضح.








