من الشك إلى الإعدام… قانون يشرعن التهمة ويقنّن الدم الفلسطيني
من الشك إلى الإعدام… قانون يشرعن التهمة ويقنّن الدم الفلسطيني
بقلم محمد النجار
في مساءٍ مثقلٍ بالخذلان، أقرّ كنيست الكيان الغاصب قانونًا يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين، بأغلبيةٍ تعكس موازين القوة لا موازين العدالة. لم يكن القرار مجرّد تشريعٍ عابر، بل خطوة أخرى في مسارٍ طويلٍ يُعاد فيه تعريف الحق بما يخدم طرفًا واحدًا، ويُقصى فيه الإنسان الفلسطيني من أبسط حقوقه: أن يُعامل كإنسان.
ينصّ هذا القانون على تطبيق عقوبة الإعدام بحق الفلسطيني إذا قتل إسرائيليًا، بينما يُستثنى المستوطن من ذات العقوبة إن ارتكب الجريمة بحق الفلسطيني. وهنا، لا نقف أمام ازدواجيةٍ قانونية فحسب، بل أمام منظومةٍ تُشرعن التمييز وتُعيد صياغة العدالة كأداةٍ للهيمنة، حيث تُصبح حياةٌ أغلى من أخرى، ودمٌ أحقّ بالحماية من دم.
غير أنّ الأخطر من نصّ القانون ذاته، هو الواقع الذي يُطبَّق فيه. فالفلسطيني لا يحتاج—في كثيرٍ من الأحيان—إلى جريمةٍ ليُدان، بل يكفي الشك، أو روايةٌ تُنسج في غرف التحقيق، ليُصبح متّهمًا. هناك، حيث تُفبرك التهم (أي تُصاغ وتُختلق دون أدلة حقيقية)، ويُقاد الإنسان إلى مصيرٍ مجهول، تتحوّل العدالة إلى وهم، ويُصبح الاعتقال بابًا مفتوحًا لكل من شاءت السلطة أن تضعه خلف القضبان. آلاف الفلسطينيين ذاقوا هذا المصير، بعضهم تحت مسمّى “الاشتباه”، وآخرون بتهمٍ صيغت لتُناسب الرواية، لا الحقيقة.
في هذا السياق، يبدو هذا القانون امتدادًا لنهجٍ قديمٍ في التاريخ، يُذكّر بما عُرف بـ(ساكسونيا: وهي منظومة قوانين أوروبية في العصور الوسطى، كانت تُطبَّق بتمييزٍ واضح بين طبقات المجتمع، وتُجيز قسوةً كبيرة بحق الفئات الأضعف)، حيث لم تكن العدالة متساوية، بل مُنحازة لمن يملك القوة. غير أنّ المفارقة المؤلمة، أنّ هذا الزمن—رغم كل ما يدّعيه من حضارة—يعيد إنتاج ذات الفكرة، لكن بوسائل أكثر تنظيمًا وأشدّ فتكًا.
وإذا ما قورن هذا القانون حتى بأقدم الشرائع، فإنّه يتجاوزها ظلمًا. فـ(شريعة حمورابي: من أقدم القوانين المكتوبة في التاريخ، قامت على مبدأ “العين بالعين”، وكانت—رغم صرامتها—تحاول تحقيق نوع من التوازن بين الجريمة والعقاب)، بينما نحن اليوم أمام قانونٍ يُسقط حتى هذا الحد الأدنى من التوازن، ليُكرّس عقوبةً لطرفٍ دون آخر، في مشهدٍ يُجافي كل منطق.
إنّ غياب الحسيب والرقيب يجعل من هذا القانون أداةً مفتوحة على احتمالاتٍ كارثية، حيث يمكن أن يتحوّل “الاتهام” إلى حكمٍ بالإعدام، دون ضماناتٍ حقيقية، ودون عدالةٍ نزيهة. ومع هذا الواقع، يصبح الخوف ليس من الجريمة، بل من التهمة ذاتها، ومن قدرة السلطة على صناعتها متى شاءت.
ويأتي هذا التصعيد في وقتٍ حساس، بعد إجراءاتٍ طالت المقدسات وقيّدت الشعائر، وكأنّ الرسالة تتجاوز الإنسان إلى المكان، وتستهدف الوجود بكل تفاصيله. وفي ظلّ انشغال العالم بصراعاتٍ أخرى، تبدو الساحة وكأنّها تُترك عمدًا، ليُمارس فيها هذا البطش دون رادع، ودون صوتٍ يرتفع بما يكفي ليقول: كفى.
حين يبقى الأمل… رغم كل شيء
قد يبدو المشهد قاتمًا، وقد تتكاثر القوانين التي تُقنّن الظلم، لكنّ الحقيقة التي لا تموت، أنّ العدالة ليست نصًا يُكتب، بل قيمةٌ تُنتزع. وبين كل هذا الألم، يبقى الأمل قائ—لا بوصفه ترفًا، بل ضرورة. أملٌ بأنّ هذا الصمت لن يطول، وأنّ هذا الليل، مهما امتدّ، لا بدّ أن يُفسح المجال لفجرٍ يعيد للإنسان إنسانيته، وللحقّ مكانه… بعيدًا عن قوانين تُفصَّل على مقاس الدم.








