انضباط الحزب أم سيادة الناخب؟
قراءة دستورية في مسارنا الديمقراطي
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
أثار القرار الأخير الذي ترتب عليه فقدان مقعد نيابي نتيجة الفصل من الحزب سؤالًا دستوريًا وديمقراطيًا جوهريًا:
لمن تعود ملكية المقعد النيابي في النهاية، للحزب السياسي أم للناخب؟
اعتراضي ليس عاطفيًا ولا حزبيًا. إنه اعتراض مؤسسي يتعلق باتجاه تطور الحياة السياسية في الأردن، في مرحلة حساسة من بناء الأحزاب وتعزيز مسار التحديث السياسي.
احترام الناخب: المبدأ الأساس
في نظام القوائم الحزبية، يُقال إن الناخب يصوت للحزب لا للفرد. من الناحية القانونية، لهذا الطرح وجاهته. لكن الشرعية السياسية لا تُختزل في النصوص القانونية وحدها؛ بل تتشكل أيضًا من إدراك الناخب وتوقعاته.
فعليًا، كثير من الناخبين يأخذون بعين الاعتبار:
• الحضور العام لبعض المرشحين
• مواقفهم الإصلاحية
• مصداقيتهم الشخصية
• درجة استقلالهم داخل الحزب
وعندما يُقدَّم مرشح معين كواجهة للقائمة، ويصبح شخصية معروفة خلال الحملة الانتخابية، فإن الناخب قد يربط صوته بذلك الشخص تحديدًا.
إزالة هذا الممثل بعد الانتخابات حتى وإن كانت قانونية قد تخلق انطباعًا بأن الإرادة الانتخابية قد تم تجاوزها تقنيًا.
الديمقراطية لا تقوم على صحة الإجراء فحسب، بل على الحفاظ على ثقة المواطن بمعنى صوته.
الأحزاب في مرحلة التكوين
علينا الاعتراف بحقيقة مؤسسية مهمة: معظم الأحزاب في الأردن ما زالت في مرحلة التأسيس والنضج التدريجي. الثقافة التنظيمية، وآليات الديمقراطية الداخلية، وأنظمة تسوية النزاعات، جميعها ما تزال في طور التطور.
الخلافات الداخلية في هذه المرحلة ليست استثناءً، بل جزء طبيعي من عملية البناء المؤسسي.
لكن إذا تحوّل الفصل إلى أداة متكررة لمعالجة الخلافات، فقد لا يؤدي ذلك إلى تقوية الأحزاب، بل إلى إضعافها.
المؤسسات الديمقراطية تحتاج إلى وقت كي تستقر. والصرامة المفرطة في أنظمة غير مكتملة النضج قد تنتج اضطرابًا بدلًا من الانضباط.
مقارنة دستورية دولية
لفهم الصورة بصورة أعمق، يجدر بنا النظر إلى تجارب ديمقراطيات مستقرة.
في السويد، رغم اعتماد نظام التمثيل النسبي بالقوائم الحزبية، يحتفظ النائب بمقعده، حتى لو فُصل من الحزب. فالمقعد يُعتبر تفويضًا شخصيًا بعد انتخابه.
في المملكة المتحدة، لا يؤثر الفصل الحزبي على العضوية البرلمانية. يستطيع النائب أن يجلس كمستقل، ولا يُفقد مقعده إلا عبر الانتخابات أو آليات المساءلة الانتخابية.
في فرنسا، يرفض الدستور مبدأ “التفويض الإلزامي”، أي أن النائب لا يخضع لأوامر حزبية تُسقط عضويته.
وفي ألمانيا، ينص القانون الأساسي صراحة على أن أعضاء مجلس النواب يمثلون الشعب بأسره، وليسوا مقيدين بتعليمات أو أوامر. وحتى نواب القوائم الحزبية يحتفظون بمقاعدهم عند الفصل.
في جميع هذه الأنظمة سواء كانت تعتمد التمثيل النسبي أو المختلط أو الفردي يبقى المقعد للنائب بعد انتخابه.
الانضباط الحزبي يبقى سياسيًا، لا دستوريًا.
المفاضلة الديمقراطية
من الإنصاف الإقرار بوجود منطق آخر. فبناء نظام حزبي قوي يتطلب قدرًا من الانضباط، وربط المقعد بالحزب قد يُنظر إليه كوسيلة لمنع التفكك أو التحولات الانتهازية.
لكن كل تصميم مؤسسي ينطوي على مفاضلات.
عندما تصبح قيادة الحزب قادرة عمليًا على التأثير في بقاء النائب في مقعده، تظهر مخاطر محتملة:
1. مركزية القرار داخل الحزب
قد تضعف التعددية الداخلية لصالح القيادة.
2. تقييد حرية الرأي داخل الكتلة
قد يتردد النواب في إبداء مواقف مستقلة.
3. تراجع ثقة الجمهور
قد يشعر الناخب بأن صوته قابل للتغيير بقرار تنظيمي داخلي.
4. إقحام القضاء في نزاعات سياسية متكررة
مما قد يضعه في موقع حساس سياسيًا.
السؤال ليس إن كان الانضباط ضروريًا، بل ما إذا كانت الآلية المختارة تعزز الثقافة الديمقراطية أم تضعفها.
عامل التوقيت
في الديمقراطيات الراسخة، تتعايش قواعد حزبية صارمة مع ثقافة مؤسسية ناضجة وضمانات متينة.
أما في الأردن، حيث ما زال النظام الحزبي في طور البناء، فقد تؤدي الصرامة المبكرة إلى عزوف كفاءات عن العمل الحزبي، خوفًا من فقدان التفويض النيابي بسبب خلافات داخلية.
بناء المؤسسات يحتاج إلى تدرج. والاستقرار ينمو من الثقة، لا من الإجراءات العقابية.
رؤية حوكمة متوازنة
من منظور الحوكمة، يتطلب الإصلاح الديمقراطي توازنًا بين ثلاثة أعمدة:
• سيادة القانون
• استقرار المؤسسات
• شرعية الناخب
إذا تحقّق الأول على حساب الثالث، فقد تتآكل الثقة على المدى الطويل.
تعزيز الأحزاب هدف مشروع، لكن حماية سيادة صوت الناخب هدف لا يقل أهمية.
موقفي الشخصي
اعتراضي ليس دفاعًا عن شخص، ولا انحيازًا لحزب. إنه موقف مبدئي يتعلق بهندسة النظام الديمقراطي.
إذا كان الهدف من الإصلاح هو تعميق المشاركة السياسية وتعزيز المؤسسات التمثيلية، فعلينا أن نُعيد النظر فيما إذا كان ربط المقعد حصريًا بعضوية الحزب يخدم هذا الهدف في هذه المرحلة.
التجارب الأوروبية تُظهر أن الأحزاب القوية يمكن أن تتعايش مع التفويض الشخصي للنائب.
ربما لا يكون السؤال اليوم: هل القرار قانوني؟
بل: هل هو الخيار الأمثل ديمقراطيًا في سياق نضجنا المؤسسي الحالي؟
الديمقراطية ليست نصوصًا فحسب. إنها ثقة. وثقة المواطن تبدأ حين يطمئن أن صوته لا يمكن أن يُعاد تشكيله نتيجة خلاف تنظيمي داخلي.
إخلاء مسؤولية:
يمثل هذا المقال الآراء والتفسيرات والمواقف المهنية الشخصية للمهندس نبيل إبراهيم حداد، وهو لأغراض معلوماتية وتثقيفية فقط، ولا يشكل استشارة مهنية أو قانونية أو تعاقدية.
وقد بُذل جهد لضمان دقة المعلومات الواردة فيه، إلا أنه لا تتحمل أي مسؤولية عن أي أخطاء أو سهو أو عن أي استخدام أو اعتماد على ما ورد في هذا المقال. ويُنصح القراء والجهات المعنية بممارسة تقديرهم الخاص وتكييف الأفكار المطروحة بما يتناسب مع ظروفهم الخاصة.








