دراما رمضان تواجه الدراما المعربة.. من يكسب الرهان؟

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

أيامٌ قليلة تفصلنا عن شهر رمضان الفضيل، والذي أصبح بمنزلة موسمٍ درامي خاص تُعرض فيه الأعمال الدرامية السورية والعربية، ففي شهر رمضان المبارك تتنافس المنصات والمحطات وشركات الإنتاج في عرض نتاجها الدرامي السنوي، حيث يترقب الجمهور السوري والعربي متابعة مجمل الأعمال الدرامية العربية المنتجة لموسم دراما رمضان 2026، خاصة أن الدراما السورية تدخل مرحلة استثنائية هي الأولى بعد سقوط النظام المخلوع، ومرور عامٍ على التحرير، لتتناول قضايا ومواضيع كانت محرمة سابقاً، بسرد يُلامس الواقع السوري كما هو لا كما فُرض عليه أن يكون.

ومن أبرز المسلسلات السورية المنتظرة: (السوريون الأعداء، الخروج إلى البئر، القيصر لا مكان لا زمان، مطبخ المدينة، مولانا، عيلة الملك، سعادة المجنون، وغيرها من الأعمال الدرامية)، في حين دخلت العلاقة بين الدراما التركية والجمهور العربي مراحل متعددة على مدار العام من الاقتراب والتنافر، فباتت أشكال استيراد الإنتاج التركي متنوعة لا تقتصر على الدبلجة، بل تعدت ذلك إلى الاقتباس والإنتاج المشترك والتعريب، عبر إنتاج نسخ معربة من مسلسلات تركية معروفة حققت رواجاً جماهيرياً كبيراً.

كثيرون يرون أن النسخ المعربة من المسلسلات التي احتفى الإعلام بتصويرها ظلت أسيرة الملل والرتابة، رغم أنها تضم أجود الكفاءات الفنية العربية، وبالأخص تمثيلاً مع ميزانيات ضخمة، فما سر هذه العلاقة؟ وهل ستبقى الدراما المعربة مسيطرة على المشهد الدرامي مع تزاحم الدراما الرمضانية؟

السبب الجوهري يتجلى في أن المشاهد العربي فهم ملياً قواعد اللعبة، التي هي شئنا أم أبينا تسويقية ومالية، دون الاكتراث لما يطلبه نفس المتتبع الذي يتوق لمشاهدة أعمال أصيلة مستوحاة من بيئته وهمومه وتُعبّر عن مشاكله، لا سيما أن أغلب الدول العربية تعيش على إيقاع المآسي والحروب، فكيف سيكترث لمصير العلاقة بين أبطال مقتبس ما؟ هنا من المؤسف حقاً أن نرى طاقات تمثيلية هامة ضائعة في قصة مستهلكة لا تقدم ولا تؤخر، عبر تنميط الإنتاج الدرامي العربي بطريقة بناء النص التركي وأسلوب التصوير والإخراج، لتبتعد الدراما المحلية خطوة جديدة عن الشارع الغارق في المشاكل وتقدم له دراما تُسمى “عائلية” قوامها قصص الحب والخيانة والعلاقات المختلطة، ومع ذلك تحظى بمتابعة عالية من قبل الجمهور، وتحظى بقاعدة جماهيرية عربية كبيرة، تُعزّز من خلالها مفهوم النجومية، واتساع رقعة شهرة المشاركين فيها.

فنانون ونقاد وصفوا المسلسلات المعربة بأنها مادة مزيفة عن منتج أصلي، ستؤثر سلباً على الدراما العربية الأصيلة وتفقدها عنصري الإبداع والتميز، خاصة أن الأعمال العربية الرمضانية تتميز بأنها انعكاس لحياتنا اليومية وتتحدث عن مشاكلنا وتنقل صورة عن بيئتنا وأحيائنا القديمة والمعاصرة، لنجد أنفسنا أمام جدلٍ كبير بين مخاوف وجود أزمة حقيقية للكتابة في الوطن العربي، وفكرة حرية التبادل الفني بين عوالم الدراما المختلفة، سترخي بظلالها على الذائقة الفنية العامة لدى الجمهور، وتؤثر فيه وتتأثر به لا محالة، ومواجهة صراعٍ كبير تعيشه الدراما الرمضانية في مواجهتها مع الدراما المعربة المسيطرة على المشهد الدرامي طوال العام.

لمن الغلبة؟
صحيفة الثورة السورية التقت “سعيد الحناوي” الكاتب والسيناريست، والذي رأى أن الدراما الرمضانية ستنتصر على الدراما المعربة لأسباب عدة، قائلاً: “أولها مجتمعنا الشرقي ذو الأغلبية المحافظة، ففي رمضان هناك طقوس خاصة لأغلب العوائل السورية، ولا يمكن أن يلجأ الناس إلى دراما لا تشبههم أبداً، في شهر الخير يحتاجون لشيء يلامسهم، يلامس واقعهم، مع تحفظي على أن الدراما السورية والعربية موسمها في شهر رمضان، ولكن للأسف شركات الإنتاج والمحطات هم من عودوا الناس على هذا الموسم”.

وأضاف: “أعود لحديثي وأؤكد أن الدراما الأصيلة أقرب بكل حكاياتها وأماكنها، ناهيك عن أن الدراما المعربة كل قصصها تشبه بعضها البعض، لا جديد في ذلك، أما مسلسلات الدراما السورية فهي بنسخ جديدة وحكايات جديدة، وهذا العام ستكون مختلفة بعد سقوط النظام البائد، وسيكون لها طابعٌ جديد، والجمهور السوري والعربي متعطش لدرامانا، لذلك ستتغلب الدراما الأصيلة كمشاهدة ومتابعة أكثر من المعربة”.

“الحناوي” رأى أن الدراما بشكلٍ عام هي بحرٌ كبير، ولها زوايا عديدة وأشكال متنوعة، وأن الدراما المعربة نوع من أنواع الدراما، قائلاً: “للمشاهدين أذواق، وخصوصاً بعد انتشار “السوشيال ميديا” وعالم “الترند” لم يعد الموضوع محصوراً بعدد معين من أنواع وأشكال الدراما التي تعودنا عليها سابقاً، لقد أصبح المشاهد يعي ما يرى على الشاشة وينتقي ما يريد، وخصوصاً بعد الحروب والأزمات التي حدثت في الوطن العربي”.

تتضارب الآراء والأفكار، حيث أصبح المشاهد يتجه نحو المنصات ليلبي رغباته وحاجاته بدراما جديدة وحكايا جديدة وكوادر مختلفة ونوع من الديكور المبهر والملابس العصرية، وحتى طريقة حياة جديدة من معيشة وعلاقات بشرية، فمحبو هذا النوع حقيقةً لم يجدوا مبتغاهم إلا بعد دخول الدراما التركية، والتي هي بالأصل مسروقة من الدراما العالمية، ولكن بذكاء”، وفق المتحدث.

وأضاف: “ولأن الدراما التركية قريبة من المجتمع العربي فقد استطاعت أن تغزونا وتسيطر على الكثير منا، لا أنكر أن بعضها كان سبباً في خراب الذوق العام وتشويهه، وخصوصاً لدى جيل الشباب، وأقصد هنا كلا الجنسين، حيث بدأوا يتجهون نحو مشاهدة هذه الدراما كونها ترضي تفكيرهم وعقليتهم وطريقة حياتهم، وكل هذا بسبب آلية التطوير السريعة للتكنولوجيا في العالم، ومن هنا أصبح لهذه الدراما وجود ومحبون ومتابعون، وهذا كله يجعلني أتساءل.. هل فعلاً لا يوجد لدينا من يكتب هذا النمط من الأعمال الدرامية؟ هل فعلاً نحن كمجتمع عربي غير قادرين على صناعة مثل هذه المسلسلات؟ فتم اللجوء إلى النسخ والاستنساخ؟ خاصة أنه مهما كانت دقة العمل بها ستكون نسخاً مشوهة، إذا ما تمت المقارنة ما بين الأصل والمقلد، ومهما بلغت القدرات والإمكانات والميزانيات، لن نصل إلى نتيجة مقنعة بهذه الأعمال الدرامية، لأنها تقليد، وستبقى كمن جاء بلوحة لرسام مشهور، ومن ثم رسمها مرة أخرى، فلا قيمة لها كالأصلية، حتى لو كانت طبق الأصل”.

وعن رأيه في أداء الممثلين العرب في هذه الأعمال الدرامية، أجاب الحناوي: “لست أهلاً لتقييمهم، هم فنانون درسوا وتعلموا وقدموا العديد من الأعمال الدرامية المهمة، والتي ذاع صيتها، وبرعوا في أدوار تركوا من ورائها بصمة مهمة عند الجميع، والممثل البارع هو الممثل الذي يستطيع تأدية أي دور يطلب منه، والممثل “المؤطر” هو ممثل مقيّد لا يقدم أي جديد”.

وأضاف: “لدي عتب على من يحول هذه الأعمال وينسخها على الورق “كتاب السيناريو” -أنا شخصياً مع الاقتباس- ولكن مع تطوير الفكرة وجعلها تناسب البيئة التي نعيش فيها، أين دوري كمؤلف أو سيناريست إن أخذت عملاً جاهزاً وفقط عربت حواراته كما هي؟ أين مخيلتي؟ أين براعتي؟ أين طريقتي الخاصة بحبكتي؟ وأنا أعرف أن ما فعلوه من نسخ واستنساخ هو بطلب من القائمين على العمل أو الجهة المنتجة، وهذا ما يبرر لهم قيامهم بذلك”.

تفوق فعلي للدراما الأصيلة
صحيفة الثورة السورية التقت “جلال أبو سمير” المنتج السينمائي، والذي رأى أن الدراما الأصيلة تتفوق فعلياً على الدراما المعربة في الموسم الرمضاني، بقوله: “نلاحظ أن الدراما السورية والعربية تستحوذ على ما يقارب 55%–65% من إجمالي اهتمام المشاهد العربي في رمضان تحديداً، مقابل 35%–45% للدراما التركية المدبلجة أو المُعرّبة، وذلك بسبب اختلاف ثقافة طبيعة الاستهلاك الزمني في هذا الموسم، حيث إن المشاهد يفضل العمل المحدد زمنياً، الثري بالأحداث والتشويق، والذي يحقق التصاعد اليومي للقصة بعيداً عن البطء من حيث السرد والأحداث التي تتصف بها الأعمال التركية، ناهيك عن التنوع الكبير الذي تتصف به الأعمال العربية مقارنة بالنهاية الدرامية التركية، في حين تحقق الدراما السورية حضوراً قوياً وملفتاً نتيجة قربها الثقافي واللغوي من الجمهور، وملامستها لقضايا يعيشها الجمهور العربي بواقعه الذي يعيشه، وكما نعرف بأن العمل يحقق حاضنته عندما يكون ابن بيئته، مما يعزز عامل الاستقطاب الجماهيري عليه، علاوة على أن شرط المشاهدة في رمضان يتطلب قراراً يومياً سريعاً وتصاعداً مكثفاً ومتغيراً بالحبكة الدرامية، بينما الأعمال المعربة التي تمتد إلى 90 حلقة أو أكثر لا تناسب إيقاع المشاهدة المكثف، والعمل المكون من 30 حلقة يمنح المشاهد التزاماً زمنياً واضحاً ونهاية مضمونة محددة بإطار زمني يحقق غاية المشاهد، وهو ما ينسجم مع طبيعة المشاهدة الرمضانية”.

وأضاف: “للهوية وارتباطاتها دور حاسم وجوهري، حيث إن اللهجة السورية مفهومة عربياً، والقضايا المطروحة تنتمي للواقع العربي وابنة واقعه وليست غريبة عنه، وهذا ما يبحث عنه الجمهور، بينما تبقى الدراما التركية ـ حتى بعد تعريبها ـ حاملة لقيم وسياقات وسمات اجتماعية غريبة عن واقعنا، ومع ذلك لو أردنا الحديث بواقعية ومصداقية، نجد أن التفوق الذي تحققه الدراما الأصيلة يُعد تفوقاً موسمياً بالأغلب، حيث تعود الدراما المعربة لاستعادة جمهورها بعد انتهاء الموسم الرمضاني”.

“جلال أبو سمير” رأى أن تشخيص هذه الأزمة يرجع لعدة عوامل، أولها أزمة تبني الابتكار والتفرّد بالإنتاجات العربية، ومن ثم أزمة المنتج المغامر والخبير، فرحلة الإنتاج تكون أولى خطواتها النص ومن ثم تنتقل إلى المنتج الممول للعمل، وفي حال كان النص مبتكراً ومن يُقيّمه كمنتج لا يتمتع بالأهلية الكافية ولا يمتلك الخبرة وحس المغامرة فإنه لن يُقدّر قيمة النص الذي بين يديه، وبالتالي ستنتهي رحلة النص في درج الطاولة حاله حال الكثير من النصوص الإبداعية التي لم تستكمل رحلتها وصولاً إلى مرحلة الإنتاج والعرض عبر الشاشات.

وعن الخلاصة المهنية لهذا التباين والتغير الذي نستنتجه من الاستقطاب الذي يحققه الموسم الرمضاني، تحدث “أبو سمير”: “أجد أن شهر رمضان هو الموسم الذي يكافئ العمل فنياً ومالياً، فهو أنسب موسم لعرض العمل القريب من الهوية، سريع التأثير، وهو الموسم الذي يحقق الجدوى الاستثمارية للعمل الدرامي، من حيث عرضه على المنصات والمحطات التلفزيونية ليغطي التكاليف الإنتاجية للعمل بزمن قصير، وهذا ما يدفعنا إلى التركيز على الموسم الرمضاني أكثر من سواه”.

وأضاف: “من باب المسؤولية الشخصية أجد بأنه يجب على العاملين من الزملاء في المجال الإنتاجي الدرامي والسينمائي الارتقاء بهذه الصناعة وعدم جرها إلى القاع والإسفاف والابتذال، فمجتمعاتنا غنية بالقضايا التي لو سلطنا عليها الضوء سنكون قد أدينا ما علينا من مهمة في سبيل رفع سوية الإنتاجات العربية، فنحن نحتاج إلى تبنٍ صادق وحقيقي للسيناريوهات القوية والثرية من حيث المضمون والقيمة الفنية، ونحتاج إلى قراءة صادقة للأزمات الراهنة التي تعيشها مجتمعاتنا، فالفن ابن بيئته ومرآته الحقيقية، علينا أن نسلط الضوء على صناعة دراما هادفة تُشكل وعي المجتمعات وتُسهم حضارياً وإنسانياً وثقافياً وفكرياً، فعندما نقول إن الفن رسالة فإننا نعني ما نقوله، فالمشاهدون باتوا يتمتعون بالوعي وباتوا على اطلاع كبير على مختلف الإنتاجات العالمية من شتى الثقافات، ويميزون الإنتاجات ويقيمون منها الجيد والسيئ أو القيّم والرخيص، حيث بات الكثير من المشاهدين يمتلكون معرفة بالمجال وخبرة نقدية عالية ربما تتفوق على النقاد المخضرمين”.

 

 

 


 


 

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences