المشاهد يكسب «الجزيرة 2»… والقاهرة تخسر في الإعلانات!

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

حتى ساعته وتاريخه لم يخترعوا وسيلة إعلامية تتفوق على التلفزيون، ومع الأيام نكتشف أن منصات التواصل الاجتماعي هي انتصار وهمي وليس أكثر من ركوب الهواء!
قبل أكثر من عشر سنوات اهتدت أنظمة القمع العربي في أكثر من عاصمة عربية إلى طريقة لحجب المواقع الإلكترونية، وكنا نعتبرها إنجازًا عظيمًا من حيث كونها تقتحم على المستبدين عقر ديارهم وقصور حكمهم بدون استئذان، وإن أمكنهم مصادرة الصحف الورقية الوافدة من الخارج ومنع تداولها، فها هم يتوصلون لاختراع جديد يحجبون به المواقع أيضًا!
ولهذه الصحيفة «القدس العربي» تاريخ طويل مع أولي الأمر منهم، وكان جهاز الرقابة على المطبوعات الأجنبية في القاهرة يصادر بعض أعدادها في البداية ولا يسمح بتداولها، والتف البعض على هذا الإجراء البغيض بالاشتراك فيها، فقرار الرقابة بحظر عدد أو أكثر يخص التداول في الأسواق لدى باعة الصحف! ثم انتبهت الرقابة إلى الباب الخلفي ممثلًا في الاشتراكات مدفوعة الثمن مقدمًا، فسرى قرار المنع من التداول عليها.
ولهذا اعتبرنا أن التقدم التكنولوجي سيحاصر الاستبداد، فها هي «القدس العربي» يمكن الاطلاع عليها عبر الإنترنت ومن أي مكان في العالم، ولا ننتظر يومين أو ثلاثة أيام لحين وصول العدد، وإجازته من قبل الرقابة، قبل أن يهتدوا في مصر وعدد من البلدان إلى وسيلة الحجب، ويبدو أنهم كانوا في حالة انبهار بهذا المنجز، فحجبوا «على البيعة» مواقع تخصهم!
وكنا نرى أن منصات التواصل الاجتماعي عصية على الحجب، فاستولت علينا وأسرَتنا لديها، وبمرور الوقت وضعت معايير صارمة للنشر، لدرجة أن ذكر اسم خالد مشعل في سياق عزاء كفيل بأن يُغلق الصفحة تمامًا، فيضيع الأرشيف والذكريات والأصدقاء، وهو تعسف في استخدام السلطة، مثل قيد على الحريات والخصوصية! ثم شاهدنا تقييدًا للانتشار، وفي أعداد المتابعين، وكثيرًا ما يحدث الحذف بالمئات من الحسابات الكبيرة، فقد هربنا من قبضة السلطة إلى قبضة مارك ابن أبيه، والعرب بطبيعتهم مستهلكون للتكنولوجيا وليسوا منتجين لها، فلا منصة عربية منافسة، بل إن المؤسسات الإعلامية الكبرى تعتمد على عرض إنتاجها عبر هذه المنصات، التي ساهمت في ذيوع اسمها، فلما تمكنت فرضت معاييرها وقيودها واستبدادها!

ما جرى في الإمارات وإمكانية تعميمه

والخطوة الأخطر هي ما حدث الأسبوع الماضي في دولة الإمارات العربية الشقيقة، عندما أصدر النائب العام هناك قرارًا بحجب حسابات لناشطين على منصات التواصل الاجتماعي، فاستجابت له إدارات هذه المنصات على الفور، ومنها منصة «إكس»، وربما المنصات الأخرى التي عناها القرار.
صحيح أن الحجب في دولة الإمارات فقط، لكن السؤال: ماذا لو حذت العواصم العربية الأخرى حذو الإمارات؟ والأمر ليس مكلفًا، فمجرد قرار من النائب العام في كل بلد سوف تستجيب له المنصة، فلا تبق سوى الحسابات التي تستهدف التفاهة، وتتنفس الأنظمة بعد ذلك الصعداء!
لا أعرف إن كانت الاستجابة لقرار النائب العام في الإمارات قد تمت بعلم الإدارة العليا لـ»إكس» وغيرها من المنصات، أم أن ذلك تم بالتواطؤ عبر مكتبها الإقليمي في المنطقة، لكن ما يهمني أن المكتب هنا لا يمكنه أن يتعامل بشكل انتقائي، فيخضع لقرار النائب العام في دبي ويتعالى على قرار النائب العام في البحرين! وإنها مأساة تثبت أن التلفزيون لا يزال متربعًا على العرش، فهو القادر على أن يحقق بالفعل فكرة أن العالم قرية صغيرة، فإرساله يقتحم الحدود ويفرض نفسه، ويبدو أن فكرة «الإعلام البديل» في تراجع، وكما يفكر الاستبداد في الحجب، فلماذا لا يتوقف الغارقون في ثقافة الاستهلاك ليسألوا: كيف يمكن ملاعبة الديكتاتوريات بطريقتها؟
لقد كسب الاستبداد أرضًا جديدة.

«الجزيرة 2 « وفائض الأخبار

في الأسبوع الماضي أطلقت شبكة «الجزيرة» قناة جديدة هي «الجزيرة 2»، وصفتها بأنها «خدمة خاصة»، وهي فكرة تأخرت كثيرًا، وكان المشاهد بحاجة إليها منذ طوفان الأقصى!
فعندما يقع حدث كبير فإنه يطغى على غيره، فتتوقف البرامج، وتكون الأولوية للأخبار، ويتوقف الاهتمام بالأخبار الأخرى، وتكون الأهمية القصوى لهذا الحدث، وفي السابق كان الحدث من هذا النوع لا يستمر كثيرًا، ثم تعود الشاشة من الاستثناء إلى الأصل، لكن طوفان الأقصى تجاوز العامين، وحدثت خلال ذلك جرائم الدعم السريع مثلًا ضد الشعب السوداني، دون اهتمام!
وكنا قديمًا نقول في مصر: لم يمت من لم يُنشر نعيه في جريدة «الأهرام»، فليس حدثًا ما لا تعامله «الجزيرة» على أنه حدث، فـ»الجزيرة» تجر خلفها القنوات الأخرى، وقد نصحت الملأ في قناة «القاهرة الإخبارية» إن أرادوا الحضور ألا ينافسوا «الجزيرة» في ملعبها، ولا يلاعبوها على أرضها، ولا يعتمدوا أجندتها الإخبارية، لأن الناس لن تترك الأصل وتجري خلف التقليد، فليمشوا في مناكبها ويبحثوا لهم عن مساحة أخرى، وضربت مثلًا في المشهد السوداني، الذي إذا عولج بكفاءة أمكن لهذه القناة أن تقدم منه انفرادات، وما يمثل أداة جذب لشريحة كبيرة من المشاهدين، لكن لا حياة لمن تنادي!
لقد تنبهت قناة «الجزيرة مباشر» في الأشهر الأخيرة لمعركة طوفان الأقصى، واهتمت بالحدث السوداني، الذي يعد ملفها الأثير، وأفادها في ذلك وجود المذيع أحمد طه، الذي استوعب هذا الملف وأحاط به علمًا، لكن «الجزيرة مباشر» لا تكفي، فكانت الحاجة إلى «الجزيرة 2»، لينصب اهتمامها على فائض الأخبار الأخرى عن الحرب على إيران، بجانب عرض البرامج التي ارتبطت بالمشهد، فليس من المنطق ألا يُعرض برنامج ما لسنوات، كما حدث في طوفان الأقصى، أو لكل هذا الوقت بسبب الحرب على إيران!
فكانت «الجزيرة 2» هي الحل، وإن كان لا يجوز إطلاق قناة تلفزيونية بناء على الاستثناء، وهي الحروب، فإن الحل في إعادة ترتيب الخبر الأول فيها ليحدث التميز مع «الجزيرة» الأم، واختيار برامج مختلفة لها وأفكار جديدة، وبسيطرة الحالة السياسية علينا نسينا ما تفوقت به تلفزيوناتنا القديمة، عندما أشاهد عبر ماسبيرو زمان مقابلات مع طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وأنيس منصور، فمطلوب ساعة لاسترخاء المشاهد بدلًا من الشد العضلي على مدار الساعة بالاستغراق في الأحداث الجارية.
وما المانع في أن تتميز بالاهتمام بما يستحق الإبراز عن قطر، وليس جيدًا أن تكون المقابلة الأهم مع رئيس الوزراء الأسبق الشيخ حمد بن جاسم ما قامت به جريدة «القبس» الكويتية في برنامج «الصندوق الأسود»، وتملك قطر «كنزًا» ممثلًا في الأمير الوالد، ولديه تاريخ وأدوار تستحق أن تُروى من باب القيمة التاريخية، وبمذيع من أصحاب النفس الهادئ كعثمان آي فرح، فهناك تاريخ لم يُكتب، وليس جيدًا ألا يُروى.
بالتوفيق.

الفريضة الغائبة في المشهد الإعلامي المصري

أُقيل طارق نور أم استقال؟ ليس هذا هو الموضوع، فما يهمني هو فلسفة الاختيار في المشهد الإعلامي المصري، وقد حل محله قائمًا بأعماله محمد السعدي!
المعلن أن طارق نور استقال لأسباب صحية، شفا الله كل مريض، والبعض يقول بل أُقيل، ربما لأنه لم يحقق الآمال المعقودة عليه، باعتبار أن مجال عمله منصب على «الإعلانات»، أي المال، وقد سألت: من يكون السعدي؟ فجاء الرد أنه يعمل في المجال (الإعلانات) نفسه، وقد كان يعمل نائبًا لنور قبل هذه الترقية، فما هو محل الإعلام من الإعراب، والشركة تملك ترسانة من الصحف والمواقع والقنوات التلفزيونية؟!
ونظرة خاطفة على المؤسسات الإعلامية في مصر سنكتشف أن الإعلام هو الفريضة الغائبة، فرئيس الهيئة الوطنية للصحافة مهندس مطابع، والتخصص لخالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى للإعلام هو هندسة الاتصالات، والهواية: مشاهدة كرة القدم، ثم يتحسرون على حالهم بالقول إن عبد الناصر كان محظوظًا بإعلامه.
فمتى نعطي الخبز لخبازه؟!

سليم عزوز

 صحافي من مصر

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences