تتنامى المخاوف الدولية بشكل متسارع تجاه الخطط التقنية لشركة ميتا فيما يخص دمج خاصية التعرف على الوجوه ضمن نظاراتها الذكية المعروفة باسم راي بان ميتا. كشفت براءات اختراع حديثة عن طموح الشركة في تطوير نظام يتيح للنظارات تحديد هوية الأشخاص في نطاق رؤية مرتديها وتسجيل تصرفاتهم بشكل تلقائي ومشاركة تلك البيانات عبر أجهزة المستخدم المختلفة. وأوضحت تقارير تقنية أن هذا التوجه ياتي في وقت حساس حيث تستحوذ الشركة على حصة سوقية ضخمة تتجاوز سبعين بالمئة من مبيعات النظارات الذكية العالمية وسط مطالبات حقوقية بوقف هذا الزحف الرقمي نحو الخصوصية الشخصية.
واشار خبراء في مجال التقنية الى ان ميتا حاولت في وقت سابق اختبار وظائف داخلية للتعرف على الوجوه تحت مسمى نيم تاغ ضمن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها قبل التراجع المؤقت عن ذلك. واكدت الشركة في ردها على هذه الانتقادات انها لم تطرح منتجا نهائيا يضم هذه الميزة للمستهلكين وان كافة المشاريع لا تزال في مراحل تجريبية ولم تتخذ قرارات حاسمة بشأنها حتى الان. واضافت الشركة ان اولويتها الحالية هي ضمان تجربة مستخدم آمنة مع الالتزام بالمعايير القانونية المعمول بها في الاسواق التي تعمل بها.
وبين تقرير حديث ان الانتشار الواسع لنظارات ميتا التي بيع منها ملايين الوحدات مؤخرا جعلها هدفا رئيسيا للانتقادات التي تتجاوز مجرد التعرف على الوجوه لتشمل سهولة التصوير الخفي. واكد مراقبون ان وجود مصباح التنبيه الصغير في اطار النظارة لم يعد كافيا لردع الممارسات غير الاخلاقية حيث ابتكر بعض المستخدمين طرقا للتحايل عليه واخفاء عملية التصوير. واضافت جمعيات حماية القاصرين ان هناك بلاغات متزايدة حول تصوير نساء وافراد في الاماكن العامة دون علمهم ونشر هذه المقاطع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
تحديات الخصوصية والملاحقة القانونية
وشددت اكثر من سبعين منظمة غير حكومية على ضرورة تراجع ميتا عن دمج تقنيات التعرف على الهوية محذرة من استغلال هذه الادوات من قبل المتحرشين او حتى الجهات التي تسعى للتحقق من هوية الاشخاص سرا في الاماكن العامة. واكدت الرسائل الموجهة للشركة ان الافراد يجب ان يمارسوا حياتهم اليومية بعيدا عن شبح المراقبة الرقمية التي قد تكشف تفاصيل حساسة عن صحتهم وعلاقاتهم الاجتماعية. واضافت هيئات حماية البيانات في اوروبا ان هذه النظارات تفرض تحديات اخلاقية ومجتمعية غير مسبوقة تستدعي يقظة جماعية من قبل المستخدمين والمشرعين.
واظهرت استطلاعات الراي ان نسبة كبيرة من الجمهور باتت تنظر الى النظارات المتصلة بالانترنت كتهديد مباشر للحق في الصورة والخصوصية الفردية. واوضحت الهيئات الرقابية ان وسائل الحماية الحالية مثل مؤشرات الضوء اصبحت ذات نطاق محدود جدا في ظل تطور قدرات الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات المجمعة. واضافت ان هناك قلقا حقيقيا من مصير هذه البيانات الضخمة التي تجمعها النظارات وكيفية استخدامها في خوارزميات التعلم الالي التي قد تسيء استخدام خصوصية الافراد.
وكشفت نقاشات قانونية متصاعدة عن انقسام في الاراء حول الحاجة الى تشريعات جديدة حيث يرى البعض ان القوانين الحالية لحماية البيانات الشخصية كافية اذا ما تم تطبيقها بصرامة. واكدت اصوات قانونية ان المشكلة تكمن في تصميم الادوات نفسها وطريقة عملها التي تضعنا في منطقة رمادية قانونية محفوفة بالمخاطر. واضافت ان الدول بدات بالفعل في اتخاذ خطوات احترازية مثل النرويج التي اعلنت نيتها حظر وظائف التعرف على الوجوه في الاماكن العامة لضمان عدم تحول هذه الاجهزة الى ادوات مراقبة جماعية.
حظر النظارات في المحاكم والمرافق العامة
واكدت تقارير قضائية ان العديد من المحاكم في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا بادرت بحظر استخدام النظارات الذكية داخل قاعاتها لمنع تصوير المحامين والمتهمين دون تصريح رسمي. واوضحت اجهزة انفاذ القانون ان مخاوفها تتزايد من استخدام هذه التقنيات لتصوير عناصر الشرطة او المنشآت الحساسة بشكل سري ومخالف للقانون. واضافت ان هذه الاجراءات تاتي كخطوة استباقية لمنع تسرب البيانات الحساسة وحماية سلامة الاجراءات القضائية من اي اختراقات رقمية قد تؤثر على سير العدالة.
واظهرت ميتا استجابة جزئية لهذه الضغوط عبر تحديث برمجيات النظارات لضمان توقف التصوير عند حجب مؤشرات الضوء والتهديد بمقاضاة الشركات التي تساعد في تجاوز هذه الانظمة. واكدت تقارير مطلعة ان الشركة قد تتوجه مستقبلا لطرح نسخ من النظارات بدون كاميرات لتهدئة المخاوف العامة وتجنب المزيد من القيود القانونية. واضافت ان النقاش حول هذه التقنية بات اكثر تعقيدا بفضل دمج الذكاء الاصطناعي الذي يمنح النظارات القدرة على تحليل المشاهد والتعرف على الاشخاص بشكل فوري وهو ما يختلف جذريا عن التجارب التقنية السابقة التي شهدناها قبل سنوات.
وبين الخبراء ان التطور المتسارع في قدرات الذكاء الاصطناعي يجعل من الصعب وضع حدود واضحة بين الاستخدام الشخصي والانتهاك الصارخ للخصوصية. واكدت المؤسسات الاوروبية انها ستواصل مراقبة هذه التطورات لضمان التزام الشركات بالقواعد الصارمة لحماية البيانات بغض النظر عن طبيعة التكنولوجيا المستخدمة. واضافت ان الهدف النهائي يظل تحقيق التوازن بين الابتكار التقني وحماية الحقوق الاساسية للافراد في مجتمع يعتمد بشكل متزايد على الاجهزة القابلة للارتداء.
