في قلب القاهرة التاريخية التي ارسى دعائمها جوهر الصقلي. تظل ورشة المهندس محمد عبد الله في حي الدرب الاحمر شاهدا حيا على فن يصارع من اجل البقاء. حيث يمتزج عبق التاريخ باصوات الاخشاب في مكان تحيط به اضرحة الاولياء وعراقة العمارة المملوكية. وتكشف هذه الورشة عن قصة كفاح طويلة لحماية حرفة الارابيسك من الاندثار في زمن تغيرت فيه الاذواق وانصرف فيه الناس عن الفنون التقليدية.
واضاف محمد عبد الله ان الطريق الى ورشته ليس مجرد مسار عادي. بل هو رحلة عبر قرون من الزمن حيث تستقبلك في كل زاوية ذكرى امير مملوكي او مقام لولي من آل البيت. وبين هذه المعالم التاريخية تبرز الورشة كحلقة وصل بين الماضي والحاضر. موضحا ان المكان الذي تطل فيه الورشة على جامع قجماس ومقام الشيخ عبد الله الريحاني يضفي على العمل نوعا من القدسية والالتزام تجاه تراث الاجداد.
وبين ان بداية الحرفة لم تكن مع الارابيسك مباشرة. بل بدأت مع والده الذي كان يشتهر بصناعة القويمة المذهبة في ثمانينيات القرن الماضي. واكد ان والده كان حريصا بشدة على تعليم ابنائه. حيث كان يرى في الشهادة الجامعية سلاحا لا غنى عنه. مشددا على ان تلك المبادئ هي التي شكلت شخصيته وجعلته يتمسك بالاستمرار في الورشة رغم كل التحديات.
دروس الاباء في مدرسة الحياة
وكشف محمد عن تفاصيل محاولته الاولى لتعلم الحرفة حين كان في الخامسة عشرة من عمره. حيث خاطر بكل ما يملك من مال في مشروع صغير لم يكتب له النجاح. واوضح ان رد فعل والده كان درسا لا ينسى. حيث دعمه معنويا وطلب منه الا يستسلم للفشل. مبينا ان تلك الكلمات اصبحت دستور حياته الذي مكنه من تطوير الورشة لاحقا.
واكد ان الورشة شهدت ازدهارا كبيرا خلال عقود مضت. لكن حالها تبدل مع ظهور الاثاث الحديث الذي غزا بيوت المصريين. واضاف ان تعلقه بالخشب ظل ثابتا رغم كل التحولات. مشيرا الى ان الصور المعلقة في مكتب والده لا تزال تذكره بالايام الاولى التي انجز فيها اول قطعة من فن الارابيسك.
واظهر ان التحديات لم تتوقف عند تغير الاذواق. بل امتدت الى ندرة الايدي العاملة الشابة التي فضلت العمل في المهن السريعة على تعلم الحرف اليدوية الصعبة. موضحا ان الورشة التي كانت يوما خلية نحل. اصبحت اليوم مكانا يغلب عليه الهدوء والتأمل.
حنين الى الاصالة في عالم متغير
وبين محمد انه في ظل تراجع الطلب على الارابيسك. وجد ملاذه في الكتابة والشعر داخل الورشة. واكد ان الورق والقلم يمثلان بالنسبة له عالما موازيا يربطه بذكريات والده الجميلة. موضحا ان رفضه للاذواق الحديثة ليس تعصبا. بل هو وفاء لكل ما هو اصيل وجميل في التراث المصري.
واضاف ان ابناء جيله والاجيال اللاحقة لم يجدوا في الحرفة نفس الشغف الذي كان يملؤه. مشيرا الى ان ابنه الوحيد لم يكمل مسيرته في الورشة. واكد ان صانع الارابيسك الاخير لا يزال يمارس عمله يوميا. ليس فقط من اجل الرزق. بل ايمانا منه بضرورة الحفاظ على هذا الفن حتى اخر لحظة.
واختتم قائلا ان الورشة ستظل بيتا للجمال. وان رائحة الخشب والورق ستظل تذكره دائما بان الفشل الحقيقي هو التوقف عن المحاولة. مهما قست الظروف وتغيرت معالم الزمان والمكان في الدرب الاحمر.
