تتحول دار الثقافة ابن رشيق في قلب العاصمة التونسية الى مساحة تنبض بالامل، حيث تصطف لوحات ومنحوتات فريدة من نوعها تعكس قصص كفاح ملهمة. هؤلاء الفنانون الذين يقفون خلف هذه الاعمال لم ياتوا من خلفية اكاديمية في الفن، بل جمعتهم رحلة واحدة ومضنية هي طريق التعافي من الادمان، ليقرروا تحويل معاناتهم ومشاعرهم الدفينة الى قطع فنية تروي حكاية العودة الى الحياة من جديد.
واظهر المعرض الذي ضم مشاركات لمتعافين من الادمان قدرات ابداعية مذهلة لم يكن اصحابها يدركون وجودها في دواخلهم. واكد المشرف على هذه المبادرة الطبيب والفنان التشكيلي عبد الباسط التواتي، ان هذه التجربة تاتي نتيجة قناعة راسخة بان الادمان ظاهرة معقدة تتطلب استراتيجيات علاجية متعددة الابعاد لا تقتصر على الجانب الدوائي فقط.
واوضح التواتي ان المسار العلاجي يبدا بالضرورة ببروتوكول طبي صارم، لياتي بعد ذلك دور الفن كاداة تكميلية تساعد المريض على الغوص في اعماق ذاته واكتشاف جوانب خفية من شخصيته. واشار الى ان الكثير من المشاركين الذين كانوا يظنون انهم يفتقرون لاي موهبة فنية، تمكنوا في نهاية المطاف من تقديم اعمال ابداعية لافتة في مجالات النحت والرسم والخزف والفسيفساء.
التحديات التشريعية والواقع الاجتماعي للادمان
وتاتي هذه التجربة الفنية في وقت تعيش فيه تونس على وقع نقاشات حادة حول ملف الادمان، حيث تتصادم المقاربات الامنية والقضائية مع الحاجة الملحة لبرامج اعادة التاهيل والادماج. وبينت الارقام الرسمية ارتفاعا مقلقا في عدد قضايا المخدرات والموقوفين خلال السنوات الاخيرة، مما دفع السلطات للبحث عن موازنة دقيقة بين التصدي لشبكات الترويج وخفض الطلب عبر التوعية والوقاية.
واكدت وزارة الداخلية التونسية ان مكافحة هذه الظاهرة تتطلب تظافر جهود الاسرة والمجتمع المدني والمؤسسات التربوية. واضافت ان البرلمان التونسي يواصل بحث مقترحات لتنقيح القوانين المتعلقة بمكافحة المخدرات، مع التركيز على مراجعة العقوبات وتطوير نصوص قانونية تتماشى مع التطورات الميدانية للظاهرة، خاصة بعد تزايد اعداد المسجونين في قضايا مرتبطة بالاستهلاك والاتجار.
وكشفت بيانات وزارة العدل عن وجود الاف الموقوفين والمحكومين في قضايا مخدرات، وهو ما يعزز اهمية المبادرات التي تقدم بدائل تاهيلية داخل مراكز العلاج. واشار الخبراء الى ضرورة تطوير التشريعات لتمنح فرصا اكبر للمتعافين في الاندماج الاجتماعي، بعيدا عن الاثار السلبية التي قد تتركها الاحكام القضائية في مسار حياتهم المهني والشخصي.
ترميم الجروح الداخلية وتجاوز خطر الانتكاسة
وتسعى مبادرة العلاج بالفن الى معالجة الجرح الداخلي الذي يتركه الادمان في نفسية الفرد، حيث تعمل الورشات الفنية على تعزيز الثقة بالنفس وتوفير مساحة للتعبير الحر. وشدد التواتي على ان التحدي الاكبر الذي يواجه المتعافي هو شبح الانتكاسة، مشيرا الى ان رحلة العلاج تتطلب استمرارية ومتابعة دقيقة خاصة في الاشهر الستة الاولى التي تعتبر الفترة الاكثر خطورة.
واضاف ان الفن يعمل كدرع واقٍ يمنح المتعافي هدفا جديدا في الحياة، مما يقلل من احتمالات العودة الى التعاطي. وبينت تجارب المشاركين ان الانخراط في الانتاج الفني يغير نظرة الفرد لنفسه، حيث تتحول مشاعر الضياع الى طاقة بناءة قادرة على انتاج شيء ذي قيمة ملموسة.
واكدت وداد، وهي متعافية شاركت في الورشات، ان هذه التجربة احيت فيها روح الامومة والشغف بالحياة، بعد ان كانت تشعر بالغربة عن ذاتها وعن محيطها. واوضحت ان الفن منحها فرصة لاكتشاف حدود قدراتها، مما ساهم بشكل مباشر في استعادتها لتوازنها النفسي والاجتماعي.
قصص نجاح من رحم المعاناة
وتروي إيمان، وهي اسم مستعار لمتعافية اخرى، كيف تحولت حياتها من دوامة الالم الى ساحة للابداع، حيث بدات حكايتها مع الادمان بمسكنات طبية بسيطة قبل ان تتفاقم الامور. واضافت انها وصلت في مرحلة ما الى حافة اليأس، قبل ان تجد في الرسم والورشات الفنية طوق نجاة ساعدها على تجاوز محنتها واستعادة ثقتها التي فقدتها لسنوات.
واشارت الدكتورة انديرا راضي، استاذة الفنون الدرامية بجامعة قرطاج، الى ان الاعمال المعروضة تعكس ابداعا حقيقيا لمبدعين كانوا يوما ما في عداد المنسيين. واكدت ان هذه التجربة تعد رائدة في العالم العربي، حيث تبرز الفن كاداة علاجية فعالة قادرة على تغيير مسار حياة الاشخاص الذين فقدوا الامل.
واختتم التواتي حديثه بالتأكيد على ان العلاج بالفن ليس بديلا عن الطب، بل هو مكمل اساسي لضمان استدامة التعافي. وبينت النتائج الاولية لهذه التجربة ان الفن يفتح افاقا جديدة للمتعافين، مما يجعلهم اكثر قدرة على مواجهة تحديات الواقع والتمسك بحياة جديدة بعيدا عن دائرة الادمان المظلمة.
