كشفت دراسة دولية حديثة عن حقائق صادمة حول الدور الخفي الذي تلعبه العوامل المعدية في نشأة الاورام السرطانية، حيث اوضحت البيانات ان ملايين الاشخاص حول العالم يواجهون مخاطر الاصابة بالسرطان نتيجة فيروسات وبكتيريا معينة يمكن الوقاية منها. واظهرت النتائج ان نحو 2.3 مليون حالة سرطان جديدة سجلت خلال العام الجاري كانت مرتبطة بشكل مباشر بعدوى ميكروبية، وهو ما يمثل حالة واحدة من بين كل ثماني اصابات جديدة عالميا.

وبين الباحثون ان الاعتماد على بيانات مرصد السرطان العالمي قدم رؤية اشمل واكثر دقة للعبء العالمي الناتج عن هذه العوامل، موضحين ان الفهم العميق لهذه الروابط يفتح ابوابا جديدة للوقاية المبكرة. واضاف الخبراء ان التركيز على مكافحة هذه المسببات المعدية قد يساهم بشكل فعال في خفض معدلات الاصابة العالمية بشكل ملحوظ خلال السنوات القادمة.

واكدت الدراسة ان معظم الحالات المسرطنة تتركز حول خمسة عوامل رئيسية، مشددة على ان التشخيص المبكر والتدخل الطبي يغيران مسار المرض بشكل جذري. وبينت النتائج ان بكتيريا الملوية البوابية، وفيروس الورم الحليمي البشري، وفيروسات التهاب الكبد ب وسي، وفيروس ابشتاين بار، تتصدر قائمة العوامل الاكثر خطورة في احداث تغيرات خلوية تؤدي للاورام.

خمسة عوامل في صدارة التهديد الصحي

وتصدرت بكتيريا الملوية البوابية، المعروفة بجرثومة المعدة، قائمة المسببات المرتبطة بالسرطان، حيث ارتبطت بنحو 760 الف حالة جديدة خلال العام الحالي. واوضحت الدراسات ان هذه البكتيريا تعيش في المعدة وتسبب التهابات مزمنة قد تتحول بمرور الوقت الى اورام خبيثة في حال لم يتم علاجها بالمضادات الحيوية المناسبة.

وجاء فيروس الورم الحليمي البشري في المرتبة الثانية، مسببا نحو 750 الف حالة سرطان، لاسيما سرطانات عنق الرحم والمناطق التناسلية والرأس. واضاف المختصون ان اللقاحات المتوفرة حاليا ضد هذا الفيروس تعد سلاحا فتاكا لخفض معدلات الاصابة، مبينين ان الجهاز المناعي غالبا ما يتخلص من العدوى تلقائيا لكن الحالات المستمرة هي التي تشكل الخطر الاكبر.

واشار الباحثون الى ان فيروس التهاب الكبد ب حل في المرتبة الثالثة بارتباطه بنحو 360 الف حالة، حيث يؤدي الالتهاب المزمن في انسجة الكبد الى تليف كبدي يمهد الطريق للاورام. واكدت التوصيات الصحية ان التطعيم ضد هذا الفيروس يمثل خط دفاع اولي يقلل من فرص تطور المرض الى مراحل مستعصية.

تغيرات في التقديرات وتوسع نطاق المخاطر

وكشفت الدراسة عن ازدياد ملحوظ في التقديرات المتعلقة بفيروس ابشتاين بار، الذي ارتبط بنحو 260 الف حالة سرطان، بعدما اثبتت الادلة العلمية الحديثة وجود علاقة وثيقة بينه وبين سرطانات المعدة والبلعوم والاورام اللمفاوية. وبينت التقارير ان هذا الفيروس يعد من اكثر الفيروسات انتشارا بين البشر، حيث يبقى كامنا في الجسم دون ان يسبب مشكلات لدى الغالبية العظمى.

واوضح العلماء ان فيروس التهاب الكبد سي جاء في المرتبة التالية، حيث ارتبط بنحو 160 الف حالة، مؤكدين ان غياب اللقاح ضده لا يعني انعدام الحلول. واضافوا ان العلاجات الحديثة المضادة للفيروسات قادرة تماما على القضاء على العدوى ومنع حدوث مضاعفات كبدية خطيرة.

وشددت الدراسة على ان قائمة العوامل المعدية لا تقتصر على هذه الخمسة فقط، بل تشمل ايضا فيروس نقص المناعة البشرية وفيروس خلايا ميركل وطفيليات اخرى. واوضحت ان العلم يواصل اكتشاف روابط جديدة بين مسببات العدوى وامراض السرطان، مما يستوجب تحديث بروتوكولات الفحص الدوري باستمرار.

خريطة توزيع الاصابات عالميا

وبينت التحليلات ان التفاوت الجغرافي يلعب دورا كبيرا في انتشار هذه السرطانات، حيث سجلت شرق اسيا نحو 42% من الحالات المرتبطة بالعدوى عالميا. واضافت البيانات ان ثلاثة ارباع الحالات المنسوبة للعدوى تتركز في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، مما يعكس فجوة واضحة في الوصول الى الرعاية الصحية واللقاحات.

واكدت منظمة الصحة العالمية ان مكافحة السرطان المرتبط بالعدوى يجب ان تكون اولوية في الدول النامية عبر تحسين نظم الفحص والتشخيص. واضافت ان توفير الحقن الآمن وبرامج التوعية الصحية يمكن ان يقلص العبء العالمي للمرض بشكل كبير بعيدا عن مراكز علاج الاورام المعقدة.

وختمت الدراسات بان عام 2024 شهد تشخيص اكثر من 20 مليون اصابة بالسرطان، مما يجعل من الوقاية ضد العوامل المعدية استراتيجية حيوية. واكد الخبراء ان قطع الطريق على الفيروسات والبكتيريا قبل تسببها في تلف الانسجة يمثل الخطوة الاهم في تقليل الوفيات والاصابات على المدى البعيد.