يستقبل سكان قطاع غزة موسم الشتاء هذا العام في ظل ظروف معيشية بالغة الصعوبة اذ لم يعد البرد مجرد تقلب جوي بل تحول الى عدو يتربص بصحة الاف الاسر النازحة التي تفتقر لابسط مقومات الحياة. وتعيش غالبية العائلات في خيام مهترئة لا تقوى على صد مياه الامطار او الرياح مما يجعل الاطفال وكبار السن في مواجهة مباشرة مع خطر الاصابة بنزلات البرد الحادة والامراض المعدية وسط تدهور شبه كامل للبنية التحتية وخدمات الصرف الصحي.

واكدت تقارير دولية ان تراكم النفايات وتلوث المياه في اماكن النزوح المكتظة يخلق بيئة خصبة لانتشار الاوبئة خاصة مع انخفاض درجات الحرارة. واوضحت ان غياب المأوى الامن والمناسب يزيد من احتمالات تفاقم الازمات الصحية التي يعاني منها القطاع اصلا نتيجة نقص المستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل المرافق الحيوية.

وبينت المنظمات المعنية ان التحدي لا يقتصر على البرد فحسب بل يمتد ليشمل خطر الفيضانات التي قد تغرق خيام النازحين وتجرف معها مخلفات الصرف الصحي. وشددت على ان غياب التدخل العاجل لتحسين ظروف السكن وتوفير مستلزمات الشتاء الاساسية سيؤدي حتما الى ارتفاع معدلات الوفيات والاصابات بين النازحين الذين فقدوا كل شيء في رحلة النزوح المستمرة.

واقع صحي متهالك ومخاطر بيئية متزايدة

وكشفت بيانات ميدانية ان اكثر من ثمانين بالمئة من سكان القطاع يعيشون حاليا في ملاجئ غير مؤهلة وغير قادرة على الحماية من الظروف المناخية القاسية. واضافت ان استهداف المستشفيات خلال الحرب ادى الى خروج معظمها عن الخدمة مما جعل القطاع الصحي عاجزا عن استقبال الاعداد الكبيرة من المرضى الذين يعانون من امراض جلدية وتنفسية مرتبطة بسوء النظافة ونقص المياه النظيفة.

واشار خبراء في الصحة العامة الى ان انتشار امراض مثل الاسهال المائي والالتهابات التنفسية يشكل تهديدا حقيقيا يتصاعد مع حلول فصل الشتاء. واوضحوا ان غياب مواد التطهير والقدرة على الاستحمام الامن يفاقم من حدة الامراض الجلدية بين الاطفال الذين اصبحت اجسادهم ضعيفة بفعل سوء التغذية والنزوح المتكرر.

واكدت التقارير ان غزة تواجه تحديات بيئية مركبة تتمثل في تراكم مئات الاطنان من النفايات الصلبة والطبية التي تختلط بمياه الامطار. وبينت ان هذه المزيج الخطير يرفع من احتمالات تفشي امراض معدية خطيرة ما لم يتم التحرك بشكل عاجل لتنظيف مسارات تصريف المياه وتأمين بيئة صحية ادنى للنازحين.

ضرورة التحرك الدولي لانقاذ النازحين

وكشفت اليونيسف عن حاجتها لتمويل عاجل يقدر بعشرات الملايين من الدولارات لتوفير الملابس الشتوية والبطانيات والمواد الاغاثية للاسر الاكثر تضررا. واضافت ان الخطة الشتوية تركز بشكل اساسي على حماية الاطفال من خطر التجمد ومنع انتشار الامراض الوبائية عبر توفير خيام اكثر متانة وتحسين ظروف المرافق الصحية.

وبين متخصصون في اقتصاديات الصحة ان الحل يكمن في ايجاد آلية مستدامة لدخول المساعدات الطبية بما يضمن توفر اللقاحات ومحاليل معالجة الجفاف. واكدوا ان حماية القطاع الصحي من الانهيار الكامل وتوفير فلاتر تنقية المياه تعد خطوات لا غنى عنها لمنع وقوع كارثة انسانية كبرى خلال الاشهر القادمة.

وختم الخبراء بالتأكيد على ان انقاذ حياة المدنيين في غزة يتطلب استجابة دولية شاملة تتجاوز مجرد تقديم المساعدات المحدودة. واضافوا ان تضافر الجهود لتوفير بيئة امنة والعمل على مراقبة الامراض المعدية بشكل دقيق هو السبيل الوحيد لتقليل الخسائر البشرية في ظل شتاء يبدو انه سيكون الاكثر قسوة على النازحين.