تتصاعد المخاوف العالمية من تداخل تقنيات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي بشكل غير مدروس، حيث باتت هذه النماذج تقدم استشارات طبية فورية للمستخدمين تحمل في طياتها مخاطر جسيمة تتجاوز مجرد الخطأ في التشخيص. وتكمن المعضلة الحقيقية في أن هذه التوصيات تظل حبيسة سجلات المحادثة الرقمية، مما يمنع الأطباء المعالجين من الاطلاع عليها وفهم السياق الحقيقي للحالة الصحية للمريض.
وكشفت دراسة حديثة شارك فيها نخبة من الباحثين في جامعات مرموقة أن غياب الشفافية في الوصول إلى تلك السجلات يمثل تهديدا مباشرا لحياة المرضى. واظهرت النتائج أن سياسات الخصوصية الصارمة التي تتبعها شركات التقنية تمنع الكوادر الطبية من معرفة النصائح المضللة التي قد يكون المريض قد اتبعها، مما يؤدي إلى تأخر في التشخيص الصحيح وتفاقم الحالات المرضية.
واكد الباحثون أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرارات صحية دون رقابة مهنية يعد مقامرة غير محسوبة العواقب. وبينت الدراسة أن الخطر لا يتوقف عند تقديم معلومات طبية مغلوطة، بل يمتد إلى استحالة تتبع هذه المعلومات من قبل المختصين، وهو ما يضع المريض في مواجهة مباشرة مع مضاعفات صحية قد تكون قاتلة.
غياب الشفافية وسجلات المرضى
واوضحت الدراسة حالة واقعية لرجل مسن تعرض لتسمم كيميائي خطير بعد اتباع نصيحة خاطئة من روبوت محادثة ذكي حول استبدال ملح الطعام بمركب كيميائي اخر. واضافت أن الأطباء واجهوا صعوبة بالغة في تحديد سبب تدهور حالته الصحية بسرعة، وذلك لعدم علمهم المسبق بتلك الاستشارة الرقمية التي تلقاها المريض.
وشدد الخبراء على أن إتاحة وصول الأطباء إلى تاريخ المحادثات الطبية للمرضى مع نماذج الذكاء الاصطناعي قد يكون المفتاح لإنقاذ العديد من الأرواح. واشارت التقارير إلى أن الكشف المبكر عن هذه التفاعلات الرقمية يختصر زمن العلاج ويمنع وقوع كوارث طبية ناتجة عن سوء الفهم التقني.
وذكرت الدراسة أن أدوات الذكاء الاصطناعي بدأت تتسرب إلى حياتنا اليومية عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تقوم هذه النماذج بترجمة المحتوى الطبي أو تلخيصه دون مراجعة دقيقة. واضافت أن هذا الانتشار غير المنضبط قد يؤدي إلى تفشي معلومات صحية مضللة تصل إلى ملايين المستخدمين دون أن يدركوا حجم الخطر الكامن خلفها.
نحو اطار قانوني وتقني آمن
وبينت المقترحات الواردة في الدراسة ضرورة تطوير آليات تقنية تتيح للأطباء الوصول إلى المحادثات ذات الطابع الطبي عند الضرورة القصوى. واكد الباحثون أهمية بناء أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اكتشاف النصائح الطبية المضللة لحظة توليدها وتحذير المستخدم منها قبل تنفيذها.
واضافت الدراسة دعوات صريحة للهيئات التشريعية في مختلف دول العالم للتدخل العاجل وتوسيع مظلة قوانين الممارسات الطبية لتشمل الشركات المطورة لهذه النماذج. واوضحت أن المسؤولية القانونية يجب أن تتحملها المؤسسات التقنية التي تقدم استشارات طبية دون توفير معايير الأمان اللازمة للمستخدمين.
وختمت الدراسة بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يظل أداة مساعدة لا تغني عن الاستشارة الطبية المباشرة. واشارت إلى أن الوعي البشري يظل خط الدفاع الأول ضد المخاطر التي قد تفرضها الخوارزميات في غياب الرقابة المهنية والقانونية الصارمة.
