يعيش المجتمع المسيحي في قطاع غزة فصلا جديدا من فصول المعاناة الانسانية تحت وطاة الحرب المستمرة التي طالت كل تفاصيل الحياة. فؤاد طفل لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره لا يزال يحاول استيعاب فاجعة فقدان والدته ماري النجار وجدته ميساء ابو داود اللتين قضتا في غارة اسرائيلية استهدفت منزلهما. واكد فؤاد ان ذكريات والدته التي وعدته بوجبة طعام قبل رحيلها المفاجئ لا تزال تطارده في كوابيسه اليومية. واظهرت صور والدته التي يحتفظ بها في هاتفه حجم الماسي التي يعيشها الاطفال في القطاع حيث تحولت الاحلام البسيطة الى ذكريات مؤلمة.
واقع مرير بين الشهادة والشتات
وبين فؤاد واشقائه فادي واستر تتجلى صورة المعاناة اليومية لعائلات فقدت الامان والسكينة. واضاف فادي ان الخوف اصبح رفيقا دائما لهم في ظل غياب من يحميهم من ويلات القصف المستمر. واوضح ان من يعرفهم من ابناء طائفته في غزة باتوا موزعين بين شهيد ارتقى او مسافر يبحث عن ملاذ امن بعيدا عن جحيم الحرب. وشدد الطفلان على ان المستقبل في غزة اصبح مجهولا وغامضا في ظل فقدانهم لكل مقومات الحياة.
وكشفت تقديرات الكنيسة ان عدد الشهداء المسيحيين في القطاع بلغ 62 شخصا منذ اندلاع الحرب. واكدت المصادر ان الاحتلال تعامل مع جميع سكان القطاع ككتلة واحدة دون تمييز ديني مما فاقم من حجم الخسائر البشرية والمادية. واضافت ان سياسة التهجير القسري والنزوح دفعت مئات المسيحيين الى مغادرة القطاع بحثا عن النجاة بينما اختار اخرون البقاء رغم المخاطر الجسيمة التي تحيط بهم.
كنيسة دير اللاتين ملاذ وحماية
وتعد كنيسة دير اللاتين في غزة واحدة من ابرز الاماكن التي تحولت الى مأوى للنازحين من مختلف الاطياف. واشار مسؤولون في الكنيسة الى ان دورها تجاوز البعد الديني ليشمل تقديم الخدمات التعليمية والانسانية لاكثر من الف طالب من المسلمين والمسيحيين. وبينت الادارة ان ملجأ الام تريزا المجاور للكنيسة يواصل تقديم الرعاية للمسنين وذوي الاعاقة في مشهد يجسد التكافل الاجتماعي في اصعب الظروف.
واظهرت جولة ميدانية داخل اروقة الكنيسة حجم الاضرار التي خلفتها الغارات الاسرائيلية على المباني والمرافق. واكد احد المسؤولين ان قناصا اسرائيليا استهدف سيدتين مسيحيتين في ساحة الكنيسة مما يعكس انعدام الامان حتى في دور العبادة. واضاف ان النازحين الذين فقدوا منازلهم في حي الرمال ومناطق اخرى يجدون في الكنيسة الملاذ الوحيد المتبقي لهم.
واكد منير السلفيتي وهو مسن فلسطيني يقيم في الكنيسة ان خيار البقاء في غزة هو قرار نابع من التمسك بالارض والهوية. واوضح ان عروض السفر التي تلقاها من اقاربه في الضفة الغربية لم تثنه عن البقاء في وطنه رغم ظروفه الصحية الصعبة. واضاف انه يفضل الموت في ارضه على العيش في الشتات بعيدا عن ذكرياته وجذوره.
مستقبل الوجود المسيحي في غزة
ويحاول جورج انطون مدير عمليات البطريركية اللاتينية في غزة رصد الواقع الديموغرافي للمسيحيين في ظل الحرب. وكشف ان عدد المسيحيين كان يقدر بنحو 1070 شخصا قبل الحرب بينما غادر منهم نحو 470 شخصا خلال الشهور الماضية. واوضح ان بقاء نحو 540 شخصا فقط يثير مخاوف جدية حول مستقبل هذا المكون الاصيل في النسيج الفلسطيني.
واكد انطون ان استهداف كنيسة القديس برفيريوس الذي اسفر عن مقتل 20 فلسطينيا بينهم 18 مسيحيا كان ضربة قاسية للمجتمع المحلي. واضاف ان الكنيسة لم تكن قادرة على توفير الحماية الكاملة للمقيمين فيها لكنها التزمت بتقديم المساعدة للجميع دون استثناء. واشار الى ان المساعدات الغذائية والطبية التي قدمتها الكنيسة شملت مئات العائلات المسلمة ايضا في اطار دورها الوطني والانساني.
وبين انطون ان تحدي البقاء لا يزال قائما في ظل استمرار القصف والحصار. واكد ان جهود الكنيسة تتركز الان على تهيئة الظروف التي تسمح لمن تبقى بالصمود وتشجيع من غادروا على العودة في المستقبل. وشدد على ان الوجود المسيحي في غزة ليس مجرد ارقام بل هو قصة انتماء تمتد لاجيال طويلة في ارض مقدسة يرفض اهلها الرحيل رغم كل الضغوط.
