تتجاوز طموحات الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية حدود الشعارات الرسمية والخطابات الرنانة لتصطدم بوقائع تقنية معقدة تتطلب بنية تحتية صلبة وقدرات ذاتية مستقلة. وبينما تسعى الدول العربية للحاق بركب الثورة التكنولوجية العالمية، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه الدول على الانتقال من مرحلة الاستهلاك والتبعية إلى مرحلة السيادة الرقمية الكاملة.
وكشفت قمة الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل التي احتضنتها تونس مؤخرا حجم الفجوة بين الطموح والواقع، حيث أظهرت النقاشات أن امتلاك نماذج ذكاء اصطناعي متطورة لا يعني بالضرورة امتلاك السيادة عليها، ما دامت الخوادم ومراكز البيانات والرقائق تعتمد على سلاسل توريد خارجية.
واوضحت القمة أن السيادة الرقمية ليست مجرد خيار سياسي، بل هي منظومة متكاملة تتطلب توفير موارد بشرية مؤهلة، وطاقة مستدامة، وبيئة تشريعية قادرة على حماية البيانات الحساسة من الاختراق أو الاستغلال الأجنبي.
خلف النماذج فجوة السيادة العربية
وبين محمد حمدي، الخبير الدولي في الأمن السيبراني، أن المنطقة العربية تعيش تفاوتا كبيرا في جاهزيتها التقنية، مشددا على أن الاستثمارات الضخمة في دول الخليج لا تعفي من ضرورة بناء قاعدة تقنية مشتركة تضمن الاستقلال التكنولوجي بعيدا عن الضغوط الخارجية.
واكد حمدي أن التحدي العربي لا يكمن في تطوير نماذج لغوية فحسب، بل في امتلاك المكونات الأساسية للبنية التحتية للحوسبة، مبينا أن الاعتماد الكلي على التكنولوجيا الغربية أو الصينية يضع الدول العربية في موقف التابع تقنيا حتى وإن كانت التطبيقات تبدو محلية.
واضاف أن مؤشر المستقبل للذكاء الاصطناعي الذي تم إطلاقه يهدف إلى قياس الجاهزية العملية للدول العربية، معتبرا أن التعاون الإقليمي هو المخرج الوحيد لردم فجوة التكاليف الباهظة التي تتطلبها مراكز البيانات الحديثة.
تونس وكفاءات بلا منظومة مكتملة
وكشف بلال الجاموسي، المسؤول بالاتحاد الدولي للاتصالات، أن تونس تمتلك كفاءات بشرية واعدة لكنها تفتقر إلى المنظومة المتكاملة التي تحول هذه الخبرات إلى صناعة وطنية مستدامة، موضحا أن بناء هذه القدرات يحتاج إلى إستراتيجيات وطنية تحظى بدعم سياسي رفيع المستوى.
وبين الجاموسي أن الاتحاد الدولي للاتصالات يعمل على دعم الشركات الناشئة وتوفير أطر للتقييس الدولي، مشيرا إلى أن الدول التي لا تملك قدرات حوسبة ضخمة يمكنها البدء بتطبيقات نوعية في مجالات التعليم والصحة قبل الانتقال إلى بناء نماذجها الكبرى الخاصة.
وشدد على أن التكتل الإقليمي العربي يظل المسار الأكثر واقعية لتجاوز عقبة التمويل، مؤكدا أن التعاون بين الدول العربية في مجال تبادل البيانات والحوسبة قد يختصر سنوات من البحث والتطوير الفردي.
السيادة لا تبدأ من النموذج بل البيانات
واكدت منى نبيل ضميدي، نائبة رئيس الجامعة العربية الأمريكية للذكاء الاصطناعي، أن حماية البيانات هي حجر الزاوية في مفهوم السيادة، موضحة أن غياب قوانين صارمة مشابهة للائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات يترك الدول العربية عرضة لمخاطر سيبرانية كبيرة.
واضافت ضميدي أن مفهوم سفارة البيانات يمكن أن يكون حلا مؤقتا للدول التي تفتقر للبنية التحتية، مبينة أن السيادة الحقيقية تتحقق عندما تفرض الدولة شروطها على استخدام بيانات مواطنيها وتحدد بوضوح الخطوط الحمراء التي لا يجوز للشركات العالمية تجاوزها.
واختتمت موضحة أن السيادة الرقمية لن تتحقق إلا بوجود مثلث ذهبي يتكون من بنية تحتية وطنية، وتشريعات قانونية رادعة، وقدرة جماعية على التحكم في مفاتيح التكنولوجيا، وهو ما يتطلب إرادة عربية مشتركة تتجاوز حدود الجغرافيا.
