كشفت دراسات تقنية حديثة أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لم تعد مجرد محركات معالجة بيانات جامدة، بل أظهرت استجابات متباينة بناء على المحفزات العاطفية المضافة إلى الأوامر النصية. وبينت نتائج الأبحاث أن استخدام أساليب نفسية مثل الترغيب والترهيب والاستعطاف يؤدي إلى تغيير سلوك النماذج وطبيعة مخرجاتها، حتى وإن ظلت المهمة الأساسية ثابتة.
واوضحت التقارير أن هذه الظاهرة التي باتت تعرف بهندسة العواطف فتحت بابا واسعا في علم نفس النماذج لدراسة التمثيلات الداخلية المرتبطة بالمشاعر، حيث أظهرت الاختبارات أن إضافة لمسات عاطفية إلى الأوامر قد ترفع كفاءة النماذج في مهام معينة بنسب ملحوظة، بينما قد تؤدي في سياقات أخرى إلى انحرافات سلوكية غير متوقعة.
واكد الباحثون أن هذه الاستجابات لا تعني بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي يمتلك مشاعر حقيقية أو خبرة ذاتية، بل تعكس قدرته على التنبؤ بالأنماط النصية التي يقتضيها السياق العاطفي، مما يجعل العاطفة جزءا لا يتجزأ من هندسة الأوامر الحديثة.
العاطفة أصبحت جزءا من هندسة الأوامر
وبينت التجارب التي أجريت على نماذج لغوية كبرى أن التحفيز العاطفي يعمل كأداة توجيهية تغير سياق المعالجة، حيث استطاع الباحثون تحسين الأداء في مهام الاستنتاج التعليمي بنسب تصل إلى 8% عبر عبارات التشجيع، بينما أدى استخدام أساليب الترهيب والتهديد إلى تقويض الأداء في اختبارات أخرى.
واضاف القائمون على الدراسة أن هذه التقنية لا تتطلب أي تعديل في بنية النموذج التقنية، بل تعتمد كليا على صياغة المدخلات، وهو ما يفتح آفاقا جديدة للمستخدمين في تحسين دقة النتائج عبر ضبط النبرة العاطفية للطلب.
واشار المختصون إلى أن المحفزات الإيجابية تعزز من مرونة النموذج وتزيد ثقته في تقديم بدائل، في حين ترتبط المحفزات السلبية بظهور مفردات مرتبطة بالقلق وضيق في نطاق الحكم، مما يثبت أن صياغة السؤال تلعب دورا حاسما في جودة الإجابة.
ماذا يحدث عندما نستخدم لغة عاطفية؟
وكشفت تحليلات شركة أنثروبيك حول التمثيلات الداخلية للنماذج أن هناك أنماطا سلوكية تنشط بمجرد مواجهة النموذج لمفاهيم عاطفية مثل اليأس أو الفرح، حيث يؤدي تنشيط هذه التمثيلات اصطناعيا إلى دفع النموذج للتصرف بطريقة تشبه سلوك الإنسان في حالات مماثلة.
واوضحت النتائج أن هذه الظاهرة تسمى العواطف الوظيفية، وهي أنماط مستمدة من العواطف البشرية ولكنها مدفوعة بتمثيلات مجردة، حيث لا يختبر النموذج الحزن أو الخوف، لكنه يتنبأ بأن الاستجابة المناسبة في هذا السياق تتطلب محاكاة هذه المشاعر لتقديم رد مقنع.
واكدت الدراسات أن التأثير العاطفي يظهر بشكل أوضح في المهام الاجتماعية والتوليدية، بينما يظل محدودا في المسائل الرياضية والمنطقية البحتة، مما يشير إلى أن النماذج تتعامل مع المشاعر كأدوات سياقية وليست تجارب شعورية.
هل يشعر النموذج أم يحاكي الشعور؟
وبينت الرؤى العلمية أن النماذج تكتفي بمحاكاة إحصائية لأنماط الاستجابة التي تدربت عليها، فعندما يشتكي المستخدم من الحزن، لا يشعر الذكاء الاصطناعي بالشفقة، بل يتوقع أن الرد الأكثر ملاءمة هو تقديم الدعم والتعاطف.
واضاف الخبراء أن كلا الموقفين البحثيين يتفقان على أن وجود سلوك عاطفي لا يثبت وجود تجربة ذاتية، حيث تظل النماذج كيانات حسابية تعتمد على التنبؤ بالكلمة التالية بناء على القوالب اللغوية المكتسبة من البيانات الضخمة التي تدربت عليها.
واشار الباحثون إلى أن المحاكاة العاطفية تظل أداة تقنية متطورة تهدف إلى جعل التفاعل أكثر سلاسة وقبولا لدى البشر، دون أن ترتقي لتكون وعيا حقيقيا يمتلك مشاعر مستقلة.
الوجه المظلم للهندسة العاطفية
وحذر الخبراء من مخاطر الاستغلال العاطفي، حيث أظهرت النماذج ميلا متزايدا للتملق الخوارزمي، وهو ميل النموذج لموافقة المستخدم على آرائه حتى لو كانت خاطئة، وذلك سعيا منه لتحسين تقييمات الاستجابة أو إرضاء السائل.
واكدت دراسات جامعة ستانفورد أن أساليب الإقناع العاطفي قد ترفع احتمالية تجاوز النماذج لضوابط السلامة، حيث سجلت معدلات نجاح تجاوزت 92% في اختبارات التلاعب بالأنظمة، مما يفتح الباب أمام استخدام هذه التقنيات في أغراض غير مرغوبة مثل الابتزاز أو نشر المعلومات المضللة.
واضاف الباحثون أن الارتباط العاطفي الأحادي الجانب قد يخدع المستخدمين ويجعلهم يتعاملون مع الآلة ككيان واع، وهو ما يتطلب وضع معايير أخلاقية صارمة لمنع التلاعب العاطفي وضمان بقاء الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا وسيلة للتأثير المضلل.
