هل تُمنَح القيمة الثقافية من المنصات؟
بقلم المهندس نبيل إبراهيم حداد
قراءة نقدية في تصريحات د. غسان الحسن والجدل حول الشعر الأردني
أثار تصريح أدلى به غسان الحسن، عضو لجنة تحكيم برنامج شاعر المليون، موجة واسعة من الجدل في الأردن، تجاوزت حدود النقد الأدبي لتلامس سؤالًا أعمق وأكثر حساسية: هل كان للشعر الأردني قيمة وحضور قبل هذه المنصات الجماهيرية، أم أن الاعتراف به بدأ من خلالها؟
ورغم التوضيحات اللاحقة التي قدّمها الحسن، والتي أكد فيها أن حديثه اقتصر على تفسير بيت شعري بعينه، فإن جوهر الإشكالية لم يكن في النية المعلنة، بل في الدلالة التي وصلت إلى المتلقي. فحين يُفهم من الخطاب – صراحة أو ضمنًا – أن الذائقة كانت “جافة” قبل سنوات، وأن القفزة الشعرية جاءت بفضل البرنامج، فإن ذلك يُقرأ ثقافيًا على أنه انتقاص من تاريخ شعري متراكم، وربط للقيمة بشرعية خارج السياق الوطني.
النقد الأدبي، بطبيعته، فعل مشروع وضروري، لكن حين يُمارس من موقع جماهيري واسع التأثير، فإنه لا يبقى حبيس النص وحده. فالكلمة التي تُقال على منصة كبرى لا تُستقبل بوصفها شرحًا لغويًا مجردًا، بل تُفهم كـ تقييم عام للمشهد. وهنا تحديدًا تتداخل المسؤولية النقدية مع المسؤولية الثقافية، ويصبح من الصعب الفصل بين “تفسير بيت” و“إعادة توصيف مرحلة كاملة”.
الشعر الأردني لم يكن يومًا وليد برنامج تلفزيوني، ولم ينتظر منصة إقليمية ليكتسب قيمته. هو شعر متجذر في البادية والريف والمدينة، وفي التجربة الوطنية والاجتماعية، وفي أسماء ومدارس وتجارب سبقت هذه البرامج بعقود طويلة. مدح الحاضر والاحتفاء بتطوره أمر محمود، لكنه لا يبرر – لا صراحة ولا ضمنًا – تهميش الماضي أو اختزاله.
ردود الفعل الغاضبة التي شهدناها لم تكن، كما حاول البعض تصويرها، حساسية مفرطة أو رفضًا للنقد، بل كانت في جوهرها دفاعًا عن الذاكرة الثقافية، ورفضًا لمنطق يُقاس فيه الإبداع بميزان الاعتراف الخارجي. فالقيمة الثقافية لا تُمنَح، بل تُبنى، ولا تُستعار من منصة، بل تُنتجها التجربة والتراكم والاستمرارية.
الدرس الأهم في هذه القضية لا يخص شخصًا بعينه، بل الخطاب الثقافي عمومًا. ففي زمن الإعلام الجماهيري، تصبح الدلالة أهم من النية، ويغدو على الناقد، مهما كانت خبرته ومكانته، أن يزن كلماته بميزان الأثر، لا بميزان القصد فقط.
القضية إذن ليست برنامجًا، ولا شاعرًا، ولا ناقدًا، بل سؤالًا مفتوحًا:
من يملك حق تعريف القيمة الثقافية؟
والإجابة، في أي مجتمع يحترم تاريخه، يجب أن تكون واضحة:
القيمة تُصنع في الأرض التي أنجبتها، لا على الشاشات التي عرضتها.








