الوئام الديني بين المسلمين والمسيحيين في الأردن تجربة مجتمعية ومؤسسية
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
المقدمة
في العديد من مناطق العالم، تحوّل التنوع الديني من مصدر غنى إنساني إلى سبب للتوتر والانقسام. وقد أظهرت النزاعات القائمة على الهوية الدينية مدى هشاشة التماسك الاجتماعي عندما يُساء التعامل مع الاختلاف أو يُوظَّف سياسيًا.
في هذا السياق، تبرز تجربة الوئام الديني في الأردن كنموذج عملي يبيّن كيف يمكن للتنوع الديني أن يتعايش مع الاستقرار الاجتماعي، دون إنكار للاختلاف أو فرض للتشابه.
فالوئام الديني لا يعني توحيد المعتقدات، ولا إلغاء الخصوصيات، بل يعني بناء الثقة، وتعزيز التعاون، وتحمل المسؤولية المشتركة تجاه الصالح العام.
من التعايش إلى الوئام
يشير التعايش الديني إلى قدرة أتباع الديانات المختلفة على العيش جنبًا إلى جنب بسلام، في إطار قانوني يحمي الحقوق ويضمن الاحترام المتبادل.
أما الوئام الديني، فهو مرحلة أعمق، تتجلى في العلاقات الإيجابية، والتضامن الاجتماعي، والشعور بالانتماء المشترك.
التعايش يجيب عن سؤال:
هل يمكننا أن نعيش معًا دون صراع؟
أما الوئام فيجيب عن سؤال أوسع:
كيف نعيش معًا؟ وكيف ندعم بعضنا البعض عند التحديات؟
في الأردن، استقر التعايش منذ زمن، بينما تطوّر الوئام عبر التفاعل اليومي، والعلاقات الاجتماعية، والإحساس المشترك بأن التنوع جزء طبيعي من الحياة الوطنية.
الجذور التاريخية والاجتماعية
تشكّل المشهد الديني في الأردن عبر قرون طويلة. فقد وُجدت مجتمعات مسيحية في المنطقة قبل الإسلام، واستمر التعدد الديني لاحقًا ضمن النسيج الاجتماعي العام.
وساهمت اللغة المشتركة، والجغرافيا، والبنى الاجتماعية، في بناء علاقات إنسانية تجاوزت الانتماءات الدينية الضيقة، ورسّخت شعورًا بالمصير المشترك.
وتكمن أهمية هذه الاستمرارية في أن الوئام الديني في الأردن لم يكن نتيجة تسوية سياسية أو معالجة ما بعد نزاع، بل تطور تدريجيًا مع تشكّل المجتمع والدولة الحديثة.
دور الدولة الأردنية
أحد الأبعاد المهمة في تجربة الوئام الديني في الأردن هو الدور الذي أدته الدولة الأردنية في توفير إطار جامع ومستقر. فمن خلال الدستور، والسياسات العامة، والممارسات المؤسسية، جرى التأكيد على:
• حرية المعتقد
• المساواة أمام القانون
• المواطنة المشتركة
وقد ساهم هذا النهج المتوازن في منع تحويل الهوية الدينية إلى أداة تمييز أو امتياز، وخلق بيئة مؤسسية سمحت للوئام الاجتماعي أن ينمو بشكل طبيعي، مدعومًا بالحكم الرشيد دون فرض أو إكراه.
الوئام الديني في الحياة اليومية
يتجلى الوئام الديني في الأردن بوضوح في الحياة اليومية، حيث يشترك المسلمون والمسيحيون في الأحياء، وأماكن العمل، والمؤسسات التعليمية، والفضاءات العامة.
وتسهم العلاقات الاجتماعية المتبادلة، خاصة في أوقات الفرح والحزن، في تعزيز الثقة الاجتماعية، وتقليل قابلية المجتمع للتأثر بالخطابات الخارجية أو السرديات المستوردة.
التحديات المعاصرة
كما هو الحال في أي مجتمع، يواجه الأردن تحديات معاصرة قد تؤثر في الانسجام الاجتماعي، مثل:
• الاضطرابات الإقليمية
• الضغوط الاقتصادية
• التأثير المتسارع لوسائل التواصل الرقمي
ولا يكمن التحدي في وجود الاختلاف، بل في منع تحويل الاختلاف إلى انقسام. ويتطلب ذلك وعيًا مجتمعيًا، وخطابًا مسؤولًا، والتزامًا مستمرًا بقيم الوحدة الوطنية.
المسؤولية المشتركة
لا يمكن للوئام الديني أن يستمر اعتمادًا على المؤسسات وحدها. فهو مسؤولية مشتركة تشمل:
• الأسرة في التربية
• المدرسة والجامعة في بناء الوعي
• القيادات الدينية في الخطاب الجامع
• الإعلام في نقل الحقيقة دون تحريض
• المجتمع المدني في تعزيز الثقة
فالوئام ليس إنجازًا ثابتًا، بل ممارسة اجتماعية متجددة.
الخلاصة
تُظهر تجربة الأردن أن التنوع الديني والاستقرار الاجتماعي ليسا نقيضين. فعندما يُدار التنوع في إطار من المواطنة، والعدالة، والاحترام المتبادل، يصبح مصدر قوة لا ضعف.
ولا تهدف هذه التجربة إلى تقديم نموذج مثالي، بل إلى مشاركة دروس عملية حول كيفية بناء الوئام الديني وحمايته وتجديده عبر الزمن، من خلال المسؤولية المشتركة والالتزام بالقيم الإنسانية الجامعة.








