الحديبية… حين يجلس الخصوم إلى الطاولة بدل الوقوف على حافة الحرب

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

بقلم: مؤيد المجالي

في لحظةٍ كان التوتر فيها في ذروته، وكانت الكرامة المجروحة تطالب بردٍّ فوري، جاء صلح الحديبية ليصدم كثيرين: كيف تُقبل شروط تبدو في ظاهرها تنازلًا؟ كيف يعود المسلمون دون عمرة؟ وكيف تُكتب وثيقة لا يُذكر فيها لقب “رسول الله” إرضاءً لخصمٍ متصلّب؟

يومها رأى كثيرون في الاتفاق مرارة، بينما رأى القائد ما لا يراه الغاضبون: رأى المستقبل لا اللحظة.

الحديبية لم تكن صلح ضعف، بل انتصار عقلٍ استراتيجي. قريش التي كانت ترفض الاعتراف بالمسلمين اضطرت للجلوس معهم كقوة سياسية قائمة. مجرد التوقيع كان إعلانًا بأن ميزان الواقع تغيّر.

ثم جاءت الهدنة، فأسكتت ضجيج السيوف وفتحت باب العقول. الناس اختلطت، التجارة عادت، والخوف تراجع، وانتشرت الفكرة بلا سيف يحرسها. خلال عامين فقط، تبدّل المشهد تمامًا، حتى جاء دخول مكة لاحقًا بلا معركة تُذكر، لأن موازين القوة كانت قد تغيّرت بهدوء.

حتى البند الذي بدا مهينًا — إعادة من يهرب من مكة مسلمًا — انقلب لاحقًا عبئًا على قريش نفسها، فاضطرت لطلب تعديله. وهكذا تحوّل ما بدا تنازلًا إلى ورقة ضغط سياسية.

هذه ليست قصة تاريخية فحسب، بل قاعدة سياسية تتكرر في كل عصر: الخصوم يجلسون للتفاوض حين تصبح كلفة الصدام أعلى من كلفة التفاهم.

ولهذا لا يبدو غريبًا اليوم أن نرى قوى كبرى، مثل الولايات المتحدة، تجلس للتفاوض مع خصوم بحجم إيران، رغم سنوات التهديد والتصعيد والعقوبات. فالتاريخ يعلمنا أن الدول، مهما ارتفعت نبرة العداء بينها، تعود في النهاية إلى الطاولة عندما تدرك أن الحروب الطويلة تستنزف الجميع.

التفاوض هنا لا يعني صداقة، بل إدارة صراع بأدوات أقل كلفة. كل طرف يحاول كسب الوقت، أو تخفيف الضغط، أو إعادة ترتيب أوراقه. تمامًا كما حدث في الحديبية، حيث لم يكن الاتفاق نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة تغيّر فيها ميزان القوة بهدوء.

الدرس الأعمق أن القيادة ليست في مطاردة التصفيق اللحظي، بل في القدرة على تحمّل قرارات تبدو صعبة اليوم لتصنع انتصارًا واضحًا غدًا.

فالتاريخ لا يذكر من صرخ أكثر، بل من حسب خطواته بدقة.

في السياسة، كما في التاريخ، أعظم الانتصارات أحيانًا تبدأ بتوقيعٍ يظنه الناس تنازلًا… قبل أن يكتشفوا أنه كان بداية التحوّل.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences