تهجير المسيحيين لن يغيّر الحقيقة في ضوء الجدل العلني الأخير الذي أعاد فتحه فيديو تاكر كارلسون
بقلم المهندس نبيل إبراهيم حداد
أعاد الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي والذي ظهر فيه تاكر كارلسون في سجال مباشر وحاد مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل إحياء نقاش طالما جرى تجنّبه: واقع تعامل سلطات الاحتلال مع المسيحيين في فلسطين.
ما منح هذا السجال أهميته لم يكن حدّته، بل موضوعه. فقد طرح كارلسون، بشكل صريح وعلني، مسألة تراجع الوجود المسيحي في فلسطين، متسائلًا عن سبب تغييب هذه الحقيقة عن الخطاب السياسي والإعلامي الغربي. وجاء الرد الدفاعي للسفير بدلًا من معالجة جوهر القضية ليعكس حجم الحساسية التي يثيرها هذا الموضوع.
المسيحيون ليسوا “أضرارًا جانبية” بل أهل الأرض
لم تصل المسيحية إلى فلسطين عبر حملات تبشيرية أو قوى إمبراطورية. بل وُلدت هناك. الوجود المسيحي في القدس و**بيت لحم** وفي عموم فلسطين سابق لقيام الدول الحديثة والحدود السياسية والأيديولوجيات المعاصرة.
ومع ذلك، يتعرّض المسيحيون اليوم لضغوط متزايدة تدفعهم إلى الهجرة لا بسبب الدين، بل بسبب السياسات:
قيود الحركة، خنق الاقتصاد، مصادرة الأراضي، توسّع المستوطنات، ونظام قانوني لا يوفّر مساواة تحت الاحتلال. هذه الضغوط تطال جميع الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين على حد سواء. لكن حين يهاجر المسيحيون، لا يكون الأثر ديموغرافيًا فحسب؛ بل يمسّ طريقة تصوير الصراع نفسه.
خطورة السردية “المريحة”
كما كشف السجال بين كارلسون والسفير بشكل غير مباشر، فإن إفراغ فلسطين من مسيحييها يخدم سردية سياسية مريحة. أرض بلا مسيحيين يسهل تقديمها للعالم بوصفها مسرحًا لصراع ديني ثنائي: يهودي–إسلامي. وبهذا، تُقدَّم إسرائيل وكأنها تواجه “عداءً إسلاميًا” فقط، بدل الاعتراف بأن الرفض الواسع للاحتلال يتجاوز الأديان، ويستند إلى إنكار الحقوق وغياب العدالة.
إن تهجير المسيحيين لا يجعل الصراع أبسط ولا أكثر صدقًا، بل أكثر تضليلًا.
فهو يُسكت شاهدًا أخلاقيًا مهمًا، شاهدًا يُفند الادعاء بأن معارضة الاحتلال نابعة من تطرف ديني. فالمسيحيون الفلسطينيون دليل حيّ على أن القضية تتعلق بـالحرية والكرامة والمساواة، لا بصراع أديان.
لماذا يُعدّ هذا الفيديو مهمًا؟
تكمن أهمية الفيديو الذي أشرتَ إليه في كسره لصمتٍ طويل داخل الأوساط المحافظة والمسيحية الغربية. فلطالما جرى تقديم الصراع من خلال عدسة لاهوتية أو حضارية ضيّقة، من دون الإصغاء إلى مسيحيي الأرض التي وُلدت فيها المسيحية نفسها.
وحين يُعاد إدراج المسيحيين الفلسطينيين في النقاش، تهتز السردية السائدة ولهذا تحديدًا جاء الرد دفاعيًا وحادًا.
رسالة لا يجوز تجاهلها
المسيحيون في فلسطين لا يطالبون بامتيازات خاصة. هم يطالبون فقط بألا يُمحَوا لا جسديًا، ولا سياسيًا، ولا تاريخيًا.
أي سياسة أو ممارسة أو نتيجة تؤدي إلى اختفاء المسيحية من موطنها الأول يجب أن تُقلق المسيحيين في العالم أجمع. ليس لأنها تُضعف حجة سياسية، بل لأنها تكشف فشلًا أخلاقيًا.
لا تُبنى شرعية أي دولة عبر تفريغ الأرض من أقدم مكوّناتها الدينية.
ولا يصبح أي صراع عادلًا بإسكات من يفضحون زيف الرواية المريحة.
والحقيقة تبقى، مهما تغيّرت الوقائع الديموغرافية:
هذه ليست حربًا على المسلمين.
إنها منظومة احتلال تطال جميع الفلسطينيين بمن فيهم المسيحيون.
وطالما بقيت هذه الحقيقة حيّة، فلن تنجح أي محاولة لإعادة كتابة التاريخ عبر الهندسة السكانية.








