عندما يتحوّل تأمين السرطان إلى فخّ مالي

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

قراءة نقدية شاملة في نظام التأمين المنفصل للسرطان ورسالة مركز الحسين للسرطان

 

بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حدّاد

مستشار الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع

يستحقّ الأردن التقدير على واحد من أكثر قراراته الصحية إنسانية، والمتمثّل في تغطية الدولة لعلاج السرطان للفئات العمرية دون 19 عامًا وفوق 60 عامًا. هذا القرار يعكس وعيًا وطنيًا بأن السرطان ليس مجرد حالة طبية، بل عبء إنساني واجتماعي يتطلّب تضامنًا حقيقيًا.

لكن ما يجري اليوم مع الفئة العمرية بين 19 و60 عامًا ضمن نظام التأمين المنفصل للسرطان يثير قلقًا عميقًا، ويهدّد بتقويض جوهر هذا التوجّه الإنساني.

فقد تمّ مؤخرًا رفع قسط التأمين السنوي من 50 دينارًا أردنيًا إلى 120 دينارًا من قبل الجهة المديرة للتأمين المرتبطة بـ مركز الحسين للسرطان، مع تبرير هذا القرار بأن سقف التغطية البالغ 30 ألف دينار غير كافٍ لعلاج حالات السرطان.

وهنا يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه:

إذا كانت الجهة المؤمِّنة تقرّ بعدم كفاية سقف التغطية، فلماذا يُطلب من المواطن دفع قسط أعلى دون تصحيح هذا السقف أو توسيع المنافع؟

التناقض الجوهري في منطق التأمين

التبرير المقدَّم لرفع القسط لا يقوم على:

• رفع سقف التغطية

• تحسين المنافع العلاجية

• توسيع نطاق الخدمات

بل يقوم على إقرارٍ صريح بعدم كفاية التأمين الحالي.

وبلغة مباشرة، الرسالة الموجّهة للمواطن هي:

• ادفع أكثر

• واحصل على نفس التغطية غير الكافية

• وتقبّل أن العلاج قد لا يكون مضمونًا بالكامل

هذا ليس منطق إدارة مخاطر، بل نقل للتكلفة دون تحمّل للمسؤولية.

الأرقام الدولية: أين يقف الأردن فعليًا؟

لضبط هذا النقاش على أسس علمية، لا بد من الرجوع إلى المتوسطات الدولية الموثّقة لتكلفة علاج السرطان في الدول النامية ومتوسطة الدخل، وهي الفئة التي ينتمي إليها الأردن اقتصاديًا وصحيًا.

وفقًا لتقديرات منظمات الصحة العالمية وخبراء اقتصاديات الصحة:

• في الدول النامية ومنخفضة الدخل

يبلغ متوسط كلفة علاج حالة السرطان الكاملة ما بين 7,000 و18,000 دينار أردني، وتشمل التشخيص والجراحة والعلاج الكيميائي الأساسي.

• في الدول متوسطة الدخل الأعلى (مثل الأردن)

يتراوح متوسط كلفة علاج الحالة الواحدة بين 21,000 و43,000 دينار أردني، ويشمل:

o تشخيصًا متقدمًا

o جراحة

o علاجًا كيميائيًا

o علاجًا إشعاعيًا

o وبعض العلاجات الموجّهة

• الكلف التي تتجاوز 60,000–80,000 دينار أردني تمثّل حالات معقّدة أو متأخرة أو تعتمد على علاجات مناعية باهظة الثمن، وهي حالات استثنائية وليست المتوسط العام. بعبارة واضحة: اعتبار 80 ألف دينار “كلفة علاج نموذجية” هو تضخيم غير علمي، واستخدامه لتبرير رفع الأقساط دون رفع التغطية هو خلط خطير بين المتوسط والحالات القصوى.

من الفئة الأكثر تضررًا؟

السياسة الحالية تستهدف الفئة العاملة المنتجة:

• المواطنون بين 19 و60 عامًا

• عماد الاقتصاد الوطني

• المموّلون الأساسيون للضرائب والضمان الاجتماعي

• الداعمون لأطفالهم وذويهم كبار السن

تحميل هذه الفئة عبئًا إضافيًا بسبب افتراضات تكلفة مبالغ فيها هو إجحاف اقتصادي واجتماعي، لا سياسة صحية رشيدة.

مركز الحسين للسرطان: الرسالة الأصلية في خطر

لا بد هنا من التذكير بحقيقة جوهرية: مركز الحسين للسرطان لم يُنشأ كمؤسسة ربحية، ولا كذراع تجارية للتأمين الصحي.

لقد تأسس على مبدأ وطني واضح: علاج الأردنيين من السرطان دون أن تكون القدرة المالية عائقًا أمام الحياة. وأي مبالغ دفعها المواطنون عبر السنوات لم تكن يومًا ثمن علاج كامل أو بوليصة تجارية، بل كانت دائمًا مساهمة تضامنية جزئية في كلفة تتحمّل الدولة والمجتمع والمانحون الجزء الأكبر منها.

تحويل هذا النموذج تدريجيًا إلى منطق “مركز أرباح”، تُدار فيه القرارات وفق معادلات أقساط وخسائر فقط، هو انحراف خطير عن الرسالة التأسيسية للمركز.

مشكلة أعمق: إدارة التأمين لا علاج المرض

ما نشهده اليوم يعكس مقاربة خاطئة من بعض الجهات المديرة للتأمين، ومنها CARE:

• يتم التعامل مع فجوات التمويل عبر رفع الأقساط

• بدل مراجعة سقوف التغطية

• أو إعادة توزيع المخاطر

• أو تعزيز دور الدولة في الحالات الاستثنائية

وإذا كان سقف 30 ألف دينار غير كافٍ فعلًا، فإن الحل المنطقي هو تصحيحه، لا الاكتفاء بتحميل المواطن فرقًا لن يحصل مقابله على حماية حقيقية.

ما المطلوب الآن؟

هذا الملف لم يعد تقنيًا، بل أصبح قضية سياسات عامة تستوجب:

• مراجعة حكومية فورية

• رقابة تنظيمية صارمة

• شفافية اكتوارية كاملة

• تثبيت صريح لرسالة مركز الحسين للسرطان

المطلوب:

• إعادة هيكلة التغطية لا مجرد رفع الأقساط

• فصل المتوسطات العلاجية عن الحالات الاستثنائية

• التأكيد أن مساهمة المواطن مساهمة تضامنية لا عقدًا تجاريًا

كلمة أخيرة

يفتخر الأردنيون بمركز الحسين للسرطان، لا لأنه متوازن ماليًا، بل لأنه أنقذ الأرواح دون تمييز.

السرطان يجب ألّا يتحوّل إلى فخ مالي مقنّع بتأمين، ولا يجوز أن تتحوّل مؤسسة وطنية إنسانية إلى مركز أرباح.

الحفاظ على رسالة مركز الحسين للسرطان ليس خيارًا إداريًا، بل التزام أخلاقي ووطني.

ملاحظة النشر:

هذا المقال يعبّر عن الرأي الشخصي والمهني لكاتبه، ويهدف إلى فتح نقاش وطني مسؤول يستند إلى الوقائع والأرقام، لا إلى الانطباعات أو المبالغات.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences