الشماغ والتراث الوطني: الهوية واحدة لا تتجزأ

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

بقلم: عوني الرجوب

باحث وكاتب سياسي

منذ العشرينيات وحتى أوائل السبعينيات، كان الشماغ جزءًا من الموروث الشعبي في الأردن، شرق النهر وغربه، دون أي تصنيف سياسي أو اجتماعي. الشماغ الأحمر كان يلبسه جميع الأردنيين، والشماغ الأسود المعروف بالأزرق كان أيضًا لباسًا مألوفًا عند الجميع، ولم يكن أحد يربط اللون بالهوية أو الانتماء.

في تلك الفترة، كان هناك وعي وثقافة واضحة مفادها أن اللون لا يفرق بين أبناء الشعب الواحد. لم يكن الشماغ أداة للتفرقة أو معيارًا للانتماء، بل لباس عملي مرتبط بالطقس والعادة، يعكس الثقافة الشعبية وحاجة الناس للراحة والحماية من البرد والحر.

الشماغ الأحمر، بنقشته الفاتحة أو الغامقة على أرضية بيضاء، كان يُلبس بكثرة في الشتاء لثقل نسيجه وقدرته على التدفئة، بينما الشماغ الأسود (الأزرق) كان أخف وزنًا، لذلك شاع في الصيف. كما أن الشورة البيضاء (الحطة) كانت لباسًا يوميًا تقليديًا للجميع، ولم تُخصص لأي فئة أو منطقة. كان الاختيار مرتبطًا بالموسم والراحة والمتوفر في الأسواق، لا بالانتماء أو الانقسام.

ارتبط الشماغ الأحمر رسميًا بلباس الضباط والأفراد في الجيش العربي الأردني، وأصبح رمزًا للانضباط والهيبة العسكرية. ظهر هذا الشماغ في معارك القدس واللطرون وباب الواد، حيث امتزجت دماء الشهداء دفاعًا عن الأرض والكرامة. لكن هذا الارتباط كان دائمًا رمزًا للفخر والانتماء الوطني، لا أداة فرز اجتماعي. الاقتداء بالجيش يعني الاقتداء بالقيم: الانضباط، التضحية، ووحدة الصف، لا مجرد لون على الرأس. الجيش لم يكن يومًا جيش لون، بل جيش وطن، يخدم كل  ابن مدينة وقرية ومخيم، دون سؤال عن الأصل، بل عن الجاهزية لحماية الدولة.

في الماضي، لم يكن أحد ينظر إلى اللون كفاصل أو معيار، ولم يكن هناك أي شعور بأن الأحمر أو الأسود يميز بين الناس. أما اليوم، فقد فقد بعض الناس هذا الوعي نتيجة فتن أثارها متسلقون سياسيون واجتماعيون يسعون لاستخدام الرموز الاجتماعية لتفريق المجتمع، وهذا ما يفسد روح الوحدة الوطنية.

 

ما معنى أن يكون المنسف الأردني أردنيًا فقط، والملوخية فلسطينية؟ هذا كلام مغلوط.

صحيح أن في الأردن يشتهر المنسف الأردني، ويقدمه معظم أهله لضيوفهم وفي المناسبات، بينما الملوخية أيضًا محبوبة ومنتشرة لدى كل الأردنيين. هذا لا يقلل من الموروث الفلسطيني؛ فالمنسف في فلسطين مشهور أيضًا في كل مناسباتهم، خصوصًا في مناطق دوراء الخليل وغيرها، حيث لا يقل المنسف هناك عن المنسف الأردني.

إذا كان الموروث واحدًا، فلا داعي للاختلاف على اللون ليقرر مصير كل منا.

في الأردن، كلنا أردنيون، المنسف الأردني والشماغ والموروث الوطني للجميع. ولا ننشغل لا باللون ولا بالمأكل والمشرب، بل بوحدتنا وهويتنا الوطنية الواحدة.

 

الأردنيون والفلسطينيون وغيرهم ممن يعيشون على الأرض الأردنية، إذا ارتدوا الأحمر أو الأسود ( الأزرق )أو الشورة البيضاء،(أي الحطه) فإن ذلك لا يغيّر من حقيقة واحدة: الوطن الواحد هو الأردن، والهوية الوطنية واحدة لا تتجزأ. أي محاولة لتفسير اللون على أنه معيار للانتماء أو الولاء هي محاولة مغرضة لتقسيم المجتمع، وواجبنا أن نرفضها بحزم.

الأردن أقوى من أن تهزه قطعة قماش، وأكبر من أن يُختصر في لون، وأعمق من أن تُختزل هويته في نقشة. الوطن ليس شماغًا على الرأس، بل موقفًا ثابتًا في ساعة الشدة. من أراد خدمة الأردن حقًا، فليصن وحدته، وليغلق باب الفتنة، وليترك الرموز في مكانها الطبيعي: رموز اعتزاز، لا أدوات تصنيف

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences