حراس الوطن… حين يكون الوفاء عقيدة دولة وهوية أمة

{clean_title}
الشريط الإخباري :  


بقلم: المستشار / جميل سامي القاضي
ليس من باب البلاغة العابرة، ولا من مجاملة المناسبات، أن نقول إن الأوطان العظيمة تعرف رجالها كما يعرف الرجال أوطانهم ، فالوطن الذي لا يحفظ أسماء حراسه في صدره، لا يستحق أن يحرسوه. أما الأردن هذا الحمى الهاشمي الراسخ في وجدان التاريخ، فقد كتب سيرته بسواعد رجاله، ورفع بنيانه بدماء أبنائه، وجعل من الوفاء نهجا لا شعارا، ومن العرفان سياسة لا خطابا.
متقاعدو القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والمحاربون القدامى، ليسوا هامشا في كتاب الدولة، بل صفحاته الأولى. هم الأعمدة التي ارتكز عليها الاستقرار، والظلال الوارفة التي احتمى بها الأمن، والذاكرة الحية التي تختزن ملامح مرحلة صنعت المجد في أصعب الأزمنة. لم يكونوا جنود ظرف، ولا أبناء لحظة عابرة، بل رجال مبدأ وقضية، آمنوا أن الوطن قدر، وأن الدفاع عنه شرف لا يوازيه شرف.
حين اشتدت الخطوب، وتلبدت سماء الإقليم بالغيوم، كانوا في الطليعة. من أسوار القدس إلى تخوم الجولان، ومن كل ثغر مهدد إلى كل موقع نادى بالواجب، وقفوا سدا منيعا، لا يسألون عن ثمن، ولا يلتفتون إلى حساب. لأن الوطن في عقيدتهم لا يقاس بالكلفة، بل بالواجب، ولا يوزن بالربح، بل بالكرامة.
في سجل الوطن الذي لا يصدأ، تقف أسماؤهم بلا تواريخ نهاية ، فالجندية عندهم لم تكن وظيفة تنتهي بإحالة، بل عقيدة تستمر ما دام في الصدر نفس ، لم يكن السلاح قطعة حديد، بل أمانة ، ولم يكن القسم ألفاظا تردد، بل عهدا يلازم الروح حتى آخر العمر ، هم من أعادوا تعريف الأمن بأنه تضحية، والاستقرار بأنه مسؤولية، وهيبة الدولة بأنها موقف لا يلين.
وحين غادروا ميادين الشرف، لم يغادروا ميادين العطاء ، لم يكن التقاعد انسحابا من الصف، بل انتقالا من جبهة السلاح إلى جبهة البناء ، دخلوا ميادين التعليم، والإدارة، والعمل المجتمعي، وحملوا معهم مدرسة كاملةفي الانضباط والنزاهةوتحمل المسؤولية. كانوا، وما زالوا، قدوة في احترام القانون، وصونا للثوابت، وتجسيدا لمعنى المواطنة الصادقة.
إن شرف الجندية لا يعلق على الصدور، بل يستقر في الضمائر. لذلك ظل المتقاعدون العسكريون ركيزة أخلاقية في المجتمع، ينقلون للأجيال خبرة الميدان، وصلابة الموقف، ونقاء الانتماء. هم خط الدفاع المعنوي عن الدولة، وسورها القيمي الذي يحميها من التآكل الداخلي قبل أي تهديد خارجي.
غير أن الوفاء ، كما يعرفه الرجال، ليس قصيدة تلقى في احتفال، ولا درعا يعلق في مناسبة. الوفاء سياسة عادلة، وتشريع منصف، ورعاية صحية تليق بمن حملوا أرواحهم على أكفهم. الوفاء حياة كريمة تحفظ المكانة، وتضمن الاستقرار الاجتماعي، وتترجم الامتنان إلى فعل ملموس لا إلى عبارات عابرة.
وإذا كان جلالة القائد الأعلى للقوات المسلحة، جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، يؤكد دوما اعتزازه برجال الجيش العربي والمتقاعدين العسكريين، فإن هذا النهج الهاشمي الأصيل يجب أن يظل منظومة عمل متكاملة، تترجم إلى برامج ورؤى تحمي كرامة من حموا الوطن.
فالدولة القوية ليست تلك التي تمتلك السلاح فحسب، بل التي تحفظ حق من حملوا السلاح دفاعا عنها
إن المتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى ليسوا صفحة في الماضي تطوى، بل ركيزة في الحاضر وضمانة للمستقبل. هم الذاكرة التي تذكرنا بثمن الاستقرار، والسند المعنوي الذي يرسخ الثقة، والدليل الصامت على أن هذا الوطن بني بالعرق والدم، وسيبقى قويا ما دام الوفاء قيمة تحكم العلاقة بين الدولة وأبنائها.
وطن وقف شامخ بسواعدهم، لا يكتمل وفاؤه إلا بالوقوف معهم في سنوات العمر، كما وقفوا هم في سنوات الخطر. فالأمم التي تكرم أبطالها لا تجاملهم، بل تحمي نفسها، وتجدد شرعيتها الأخلاقية، وتحصن مستقبلها.
وفي الختام، فإن الوفاء لهم ليس ترفا وطنيا، ولا خيارا موسميا، بل واجب سيادي، وركن من أركان هيبة الدولة. فمن يحرس الوطن في ساعة العسرة، يستحق أن يحرسه الوطن في ساعة الكبر.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences