الزيارات الحكومية للمحافظات: نسمع جعجعةً… ولا نرى طحنا

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

 

بقلم: عوني الرجوب

باحث وكاتب سياسي

 

منذ سنوات، تتكرر المشاهد نفسها: جولات ميدانية، اجتماعات لمجلس الوزراء في المحافظات، كلمات مطمئنة، صور تُنشر، وبيانات توحي بالاستماع للمواطنين و“الوقوف على احتياجاتهم”.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا تغيّر فعليًا بعد كل هذه الجولات؟

المواطن في المحافظات لم يعد يبحث عن زيارة عابرة، ولا عن خطاب متقن الصياغة.

هو يريد أثرًا ملموسًا.

يريد مشروعًا يُنجز، وظيفة تُخلق، طريقًا يُعبّد، مستشفى يُطوّر، ومصنعًا يتوسع ، استثمارًا حقيقيًا يعيد الاعتبار لكرامته قبل أن تُجمّل التقارير بالأرقام، لا رواتب مرتفعة لرؤساء مجالس الإدارات وبعض المواقع الأخرى صاحبة الرواتب الخيالية.

غير أن الواقع يقول إن معظم هذه الجولات، رغم كثافتها الإعلامية، لم تتحول إلى تحولات اقتصادية حقيقية.

المطالب تتكرر، والوعود تتجدد، واللجان تتشكل، غير أن البطالة ما زالت في مكانها، والفقر يتمدد بصمت، والفرص العادلة لا تصل إلى حيث ينبغي أن تصل.

الأخطر أن بعض القرارات التي تُعلن بعد هذه الاجتماعات لا تخدم سوى فئة محدودة من المتنفذين، بينما يبقى المواطن العادي خارج الحسابات.

هنا تتسع فجوة الثقة، ويترسخ شعور بأن الصوت الأعلى ليس صوت الناس، بل صوت المصالح.

في القرى والبوادي والمخيمات، أسر كاملة ليس فيها موظف واحد، وبيوت بلا دخل ثابت، وأخرى تعيش على القروض والمساعدات المتقطعة.

أسئلة الحياة اليومية باتت عبئًا ثقيلًا: كيف يُدفع الإيجار؟ كيف تُسدَّد الفواتير؟ كيف يستمر الأبناء في مدارسهم وجامعاتهم؟

ومع اقتراب رمضان، يُختزل أحد رؤساء الجمعيات في توصيات للمواطنين للاكتفاء بصنف واحد على مائدة الإفطار، وكأن الأزمة في تعدد الأطباق لا في غياب القدرة على تأمين الحد الأدنى من مقومات المعيشة.

الحقيقة أن شريحة واسعة من المواطنين لا تفكر في التنويع، بل في ضمان الحد الأدنى من الكفاية ولم تجد إفطارًا عند الكثر من المواطنين  رغيف خبز وكأسا  من الشاي.

في المقابل، تُنفق أموال ضخمة على ترتيبات استقبال، ومواكب حكومية، وتجهيزات مؤقتة تنتهي بانتهاء الزيارة.

ولو وُجّهت هذه الكلف إلى قروض إنسانيه دون فوائد أو لمبادرات تشغيل حقيقية، لكان الأثر أعمق وأصدق، ولحصلت المحافظات على فرصة حقيقية لتخفيف البطالة وتعزيز الاكتفاء الذاتي.

الشباب لا يطلبون امتيازات استثنائية، بل فرصًا عادلة.

لا يبحثون عن لجان إضافية، بل عن عمل يحفظ كرامتهم ويمنحهم أفقًا.

البطالة الطويلة تُنتج إحباطًا، والإحباط حين يتراكم بلا حلول يتحول إلى أزمة اجتماعية صامتة تمسّ الجميع.

المحافظات ليست هامشًا، وليست محطات لزيارات عابرة.

هي قلب الوطن، وفيها أعلى نسب البطالة، ومعدل الهجرة الداخلية المتزايد. 

أي حديث عن تنمية شاملة لا يبدأ من هناك هو حديث ناقص مهما بدا لامعًا في العناوين.

إذا كانت الحكومة جادة، فالمطلوب ليس جولات إعلامية، بل التزام زمني واضح لتنفيذ ما يُطرح في كل محافظة، مع تقارير متابعة شفافة تُنشر للرأي العام.

المطلوب أن يرى المواطن أثرًا خلال ستة أشهر، لا أن يسمع وعدًا جديدًا عامًا بعد عام.

نسمع جعجعة…

لكن الطحين لا يصل إلى بيوت الفقراء، ولا إلى  تكايا العاطلين، ولا إلى أحلام الشباب الذين ينتظرون فرصة قد تطول.

الحكومات القوية لا تُقاس بعدد الاجتماعات، بل بقدرتها على تحويل القرارات إلى وظائف، والخطط إلى مصانع، والوعود إلى نتائج ملموسة.

كرامة المواطن ليست تفصيلًا إداريًا، بل جوهر الاستقرار ومعيار النجاح.

إن المسألة لم تعد مجرد زيارة أو اجتماع، بل مسألة نهج واستراتيجية واضحة.

فالتنمية لا تتحقق بالتحرك الموسمي، بل برؤية اقتصادية واضحة، وخطط زمنية ملزمة، ومساءلة شفافة.

جولات الحكومة يمكن أن تتحول إلى أداة إصلاح حقيقية… لكنها لن تكون كذلك ما لم تتحول من مناسبة تصوير إلى قرار شجاع يُحاسب عليه المسؤول قبل غيره.

فإذا بقيت الجعجعة خالية من الطحين،

فستبقى الأسئلة قائمة،

وسيبقى الانتظار أثقل من أن يُحتمل،

وسيظل المواطن شاهدًا على فشل السياسات في توفير الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، ومقدار الكرامة التي يُستحقها

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences