من قرطاجة إلى الأردن: نموذج استراتيجي وطني بمنهج إدارة المخاطر (ISO 31000)
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
التاريخ كإطار لإدارة المخاطر لا كمجرد سرد
التاريخ ليس روايةً للماضي، بل مختبرًا حيًا للاستراتيجيات الناجحة والفاشلة.
ومن بين التجارب الحضارية التي تستحق قراءة تحليلية بمنهج معاصر تجربة قرطاجة، التي صعدت كقوة تجارية متوسطية كبرى رغم محدودية مواردها الطبيعية وصغر مساحتها الجغرافية.
الأردن اليوم يقف أمام معادلة مشابهة:
موارد طبيعية محدودة، بيئة إقليمية مضطربة، لكنه يمتلك موقعًا جيوسياسيًا فريدًا ورأس مال بشريًا عالي الكفاءة.
السؤال ليس: هل يمكن للأردن أن ينجح؟
السؤال الاستراتيجي هو: كيف يُدار هذا الموقع ضمن إطار متكامل لإدارة المخاطر وفق منهج ايزو 31000؟
أولاً: الجغرافيا كأصل استراتيجي
وفق ايزو ISO 31000، تبدأ إدارة المخاطر بفهم السياق الداخلي والخارجي.
السياق الخارجي:
• بيئة إقليمية غير مستقرة (سوريا، العراق، فلسطين)
• تحولات في ممرات التجارة العالمية
• منافسة لوجستية من موانئ إقليمية كبرى
السياق الداخلي:
• استقرار سياسي وأمني
• بنية تحتية قابلة للتطوير
• قدرة بشرية في الإدارة والهندسة والخدمات
تحديد المخاطر
إذا تحول الأردن إلى وحدة لوجستية إقليمية، فالمخاطر تشمل:
• مخاطر جيوسياسية (إغلاق حدود، اضطرابات إقليمية)
• مخاطر تمويلية (عجز استثماري)
• مخاطر تنافسية (تفوق موانئ أخرى)
• مخاطر تشغيلية (بيروقراطية، بطء إجراءات)
معالجة المخاطر
لتحويل “الموقع” إلى “ميزة مستدامة”، يجب:
• تنويع الشراكات الإقليمية وعدم الاعتماد على مسار واحد.
• رقمنه الإجراءات الجمركية بالكامل.
• إنشاء صندوق استقرار لوجستي لمواجهة اضطرابات الإقليم.
• تطوير الممر: العقبة–عمّان–الزرقاء–المفرق كمشروع وطني سيادي.
هنا يتحول الموقع من فرصة إلى أصل مُدار بالمخاطر.
ثانياً: اقتصاد بلا موارد: نموذج القيمة المضافة
قرطاجة لم تبنِ ثروتها على المعادن أو الزراعة الواسعة، بل على التجارة والتحالفات.
الأردن يمكنه تبني نموذج اقتصاد القيمة المضافة عبر:
• الصناعات التحويلية الخفيفة والمتوسطة
• البناء الجاهز والأنظمة الحديدية
• الخدمات الهندسية العابرة للحدود
• المناطق الحرة المتخصصة
تحليل المخاطر الاقتصادية
• مخاطر الاعتماد على قطاع واحد
• مخاطر تقلب الطلب الإقليمي
• مخاطر تسرب الكفاءات البشرية
المعالجة:
• تنويع القطاعات الصناعية
• حوافز تصدير مرتبطة بالأداء
• برامج احتفاظ بالكفاءات
• شراكات إنتاج إقليمية لا تقوم فقط على التوريد، بل على التكامل
ثالثاً: الابتكار كوسيلة تخفيض مخاطر المستقبل
في ايزو 31000، أحد أهداف إدارة المخاطر هو تعزيز المرونة.
الابتكار ليس ترفًا، بل أداة لتخفيض المخاطر طويلة الأمد.
مبادرات مطلوبة:
• أتمتة صناعية لتقليل كلفة الإنتاج
• زراعة ذكية لتقليل مخاطر المياه
• صندوق وطني للابتكار الصناعي
• ربط الجامعات بالصناعة عبر حوافز ضريبية
الدولة التي لا تبتكر، ترتفع لديها مخاطر التراجع الاستراتيجي.
رابعاً: الحوكمة – الضابط الأساسي للمخاطر النظامية
قرطاجة امتلكت نظامًا مؤسسيًا متقدمًا في عصرها.
لكن الحوكمة ليست قوانين فقط، بل ثقافة امتثال.
الأردن يحتاج إلى:
• منصة استثمارية موحدة بمدة إنجاز لا تتجاوز 48 ساعة.
• محاكم تجارية متخصصة بزمن تقاضٍ محدد.
• رقمنه شاملة للمعاملات.
• ربط تقييم أداء المؤسسات بمؤشرات إنتاجية واضحة.
المخاطر المؤسسية أخطر من المخاطر الجيوسياسية لأنها داخلية وتراكمية.
خامساً: دروس من سقوط قرطاجة – تحذير استراتيجي
قرطاجة لم تسقط بسبب ضعف اقتصادي، بل بسبب:
• اعتماد مفرط على التحالفات دون عمق استراتيجي عسكري.
• سوء تقدير لطموح روما.
• عدم بناء منظومة ردع متكاملة.
الدرس للأردن:
• لا يكفي أن تكون مركزًا تجاريًا.
• لا يكفي أن تكون مستقرًا.
• يجب أن تكون لديك منظومة سيادية متكاملة (اقتصادية، أمنية، تشريعية).
الاعتماد المفرط على إعادة الإعمار الإقليمي دون تنويع اقتصادي يشبه اعتماد قرطاجة على شبكات تجارية قابلة للانقطاع.
إدارة المخاطر الاستراتيجية تعني الاستعداد للسيناريو الأسوأ، لا الافتراض الدائم للاستقرار.
من الرؤية إلى القرار
الأردن لا يحتاج إلى موارد نفطية ليزدهر.
لكنه يحتاج إلى قرار استراتيجي واضح:
• تحويل الموقع إلى منصة إنتاج
• تحويل الكفاءة البشرية إلى صناعة
• تحويل الاستقرار إلى قوة تفاوضية
التاريخ يثبت أن الدول الصغيرة قد تصبح قوى إقليمية إذا أدارت مخاطرها بذكاء.
السؤال اليوم ليس: هل نملك الإمكانات؟
بل: هل نملك الشجاعة المؤسسية لتطبيقها؟
إخلاء المسؤولية
يمثل هذا المقال آراء وتحليلات ورؤى مهنية شخصية لم. نبيل إبراهيم حداد، وهو مخصص لأغراض معرفية وتعليمية فقط، ولا يُعد استشارة مهنية أو قانونية أو تعاقدية. ورغم بذل أقصى الجهود لضمان دقة المعلومات، إلا أن الكاتب لا يتحمل أي مسؤولية عن أي أخطاء أو سهو أو استخدام للمعلومات الواردة. ويُرجى من القرّاء والجهات المختلفة تقييم المعلومات وفق احتياجاتهم وظروفهم الخاصة.








