الهوية الوطنية ليست ساحة صراع… بل قاعدة استقرار

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

 

بقلم: مؤيد أحمد المجالي

كلما دخلت البلاد مرحلة نقاش سياسي أو إصلاحي، يعود إلى الواجهة سؤال الهوية الوطنية، وكأن الدولة ما تزال في طور التشكّل، أو كأن المجتمع لم يحسم أمره بعد. يتكرر الجدل ذاته، وتتبدل الوجوه، لكن مضمون النقاش يبقى واحدًا: من هو الأحق؟ ومن يمثل الدولة؟ ومن يملك تعريف الهوية الوطنية؟
إن التجربة العملية تقول عكس ذلك تمامًا؛ فالمجتمع تجاوز منذ زمن طويل الانقسام النظري الذي يُعاد استحضاره كل بضع سنوات. فالمدن مختلطة، ومؤسسات الدولة جامعة، والاقتصاد واحد، والمصير مشترك. المواطنون يعملون في المكان نفسه، ويدرس أبناؤهم في المدارس والجامعات ذاتها، ويواجهون التحديات المعيشية نفسها. أي أن الواقع الاجتماعي سبق الخطاب السياسي بأشواط.
إن المشكلة إذن ليست في الهوية، بل في استخدامها؛ فعندما تضيق المساحة السياسية أو تتصاعد الأزمات الاقتصادية، يصبح ملف الهوية أداة سهلة لاستثارة المخاوف أو حشد الأنصار. بدل أن يدور النقاش حول فرص العمل، وتحسين الإدارة، ومحاربة الفساد، وتطوير الاقتصاد، ينحرف إلى سؤال الانتماء، وكأن أصل الأزمة هو المجتمع لا السياسات.
إن الهوية الوطنية لا تُبنى على المقارنات بين المواطنين، ولا على إعادة فرز المجتمع كلما ظهرت أزمة، بل على مبدأ بسيط: المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وسيادة القانون على الجميع دون استثناء.
إن التجارب حولنا تثبت أن الدول التي تنجح ليست تلك التي تتشابه فيها الأصول، بل تلك التي تنجح في تحويل تنوعها إلى قوة، وتمنع تحويله إلى صراع.
وفي الختام، لا بد من أن نقولها بوضوح: إن الهوية ليست مشكلة تحتاج حلًا، بل إن تحويلها إلى مشكلة هو الخطأ ذاته؛ فالدول تسقط عندما يختلف أبناؤها حول من يملك الوطن، وتقوى عندما يدرك الجميع أن الوطن يتسع للجميع، وأن المستقبل يُبنى بالعمل والإصلاح، لا بإعادة فتح معارك الماضي.
إن الهوية الوطنية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل عقدًا اجتماعيًا يحمي الجميع… أو يضيع بالجميع إذا أسيء استخدامه.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences