تعديلات الضمان الاجتماعي 2026: إصلاح استباقي لحماية الاستدامة وضمان الحقوق
إقرار الأسباب الموجبة لمشروع القانون المعدّل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 يمثل خطوة إصلاحية استباقية تهدف إلى حماية الاستقرار المالي للنظام التقاعدي وضمان استدامته للأجيال القادمة، دون المساس بالحقوق المكتسبة للمشتركين.
المعطيات الاكتوارية الأخيرة أشارت بوضوح إلى اقتراب “نقطة التعادل الأولى” أي المرحلة التي تتساوى فيها إيرادات الاشتراكات مع الالتزامات التقاعدية من عام 2030. وهذا مؤشر خطير في أي نظام تأميني قائم على الاشتراكات الجارية، لأنه يعني تضاؤل الفائض المالي وتسارع الضغط على الاحتياطيات إن لم يتم التدخل.
تمديد نقطة التعادل إلى عام 2042 كحد أدنى، مع توقعات تمتد إلى 2054 و2066 عند اعتماد متوسط الأجر لآخر خمس سنوات، يعكس توجهاً فنياً يعزز العدالة التأمينية ويحدّ من التشوهات المرتبطة برفع الأجور في السنوات الأخيرة من الخدمة.
الأهم أن التعديلات تجنبت مسارات كانت ستُحمّل المواطن كلفة مباشرة، مثل رفع نسب الاشتراكات أو تخفيض معامل المنفعة. بدلاً من ذلك، تم التركيز على معالجة الخلل البنيوي الأكبر: التوسع في التقاعد المبكر.
عندما يشكل التقاعد المبكر 64% من إجمالي المتقاعدين ويستحوذ على 106 ملايين دينار من أصل 173 مليون دينار شهرياً من فاتورة الرواتب، فنحن أمام اختلال هيكلي واضح. أي نظام تقاعدي يستمر فيه التقاعد المبكر كقاعدة عامة، لا كاستثناء، يعرّض نفسه لاختلال طويل الأمد، لأن سنوات الصرف تصبح أطول من سنوات الاشتراك.
رفع سن التقاعد تدريجياً ابتداءً من 2028 بمعدل ستة أشهر سنوياً، وصولاً إلى 65 عاماً للذكور و60 عاماً للإناث خلال 11 عاماً، هو إجراء تدريجي ومتوازن يراعي الواقع الديموغرافي وارتفاع متوسط العمر المتوقع، ويمنح السوق فترة انتقالية كافية للتكيف.
من الناحية القانونية، حماية الحقوق المكتسبة حتى نهاية 2026، واحتساب الخدمات اللاحقة وفق معادلة جديدة ابتداءً من 2027 مع إضافتها للاستحقاق، يرسّخ مبدأ استقرار المراكز القانونية ويؤكد عدم رجعية الأثر على من استوفى شروطه.
وفي البعد الاجتماعي، رفع الحد الأدنى لمجمل الراتب التقاعدي إلى 200 دينار خطوة تصحيحية مهمة تمسّ شريحة تقارب 20 ألف متقاعد برواتب متدنية، بما يحقق توازناً بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.
الإصلاح في أنظمة التقاعد لا يكون شعبوياً، بل استباقياً.
التأجيل يراكم الكلفة، والمعالجة المبكرة تخففها.
والقرار اليوم، مهما بدا صعباً، يبقى أقل كلفة من قرارات قسرية في المستقبل.
يبقى الحوار مفتوحاً لتحسين التفاصيل الفنية، لكن من حيث المبدأ، الاتجاه إصلاحي ووقائي، ويعكس إدراكاً بأن حماية الضمان الاجتماعي ليست خياراً سياسياً، بل مسؤولية وطنية تتعلق بحقوق أجيال كاملة.
د. طارق سامي خوري








