الثقافة الأردنية: بين حبّ الوطن وجرأة الإصلاح
بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
نحن في الأردن لا نختلف على حب هذا الوطن. نختلف في أشياء كثيرة، لكننا نتفق على شيء واحد: هذا البلد يسكن فينا قبل أن نسكن فيه. نحمله في ذاكرتنا، في لهجتنا، في تفاصيل حياتنا اليومية، وفي قلقنا على أبنائنا ومستقبلهم.
نحب أن نقول إننا شعب طيب، كريم، ومتكاتف. وهذه ليست مجرد كلمات، بل حقيقة عاشها كل من مرّ في هذا البلد أو عرف أهله. لكن، وبين هذا الحب الصادق، هناك سؤال صعب لا بد أن نواجهه بشجاعة
هل كل ما نمارسه اليوم باسم “الثقافة” يخدم الأردن أم أن بعضه يعيق تقدمه؟
المشكلة ليست في قيمنا، بل في الطريقة التي نطبق بها هذه القيم. ما كان يومًا مصدر قوة، أصبح في بعض الأحيان عبئًا صامتًا. نساعد بعضنا، نعم، لكن أحيانًا على حساب العدالة. نجامل بعضنا، نعم، لكن أحيانًا على حساب الحقيقة. نحترم بعضنا، نعم، لكن أحيانًا يتحول هذا الاحترام إلى صمت عن الخطأ، وكأن قول الحقيقة أصبح نوعًا من القسوة، لا من المسؤولية.
كم من فرصة ضاعت لأن شخصًا أقل كفاءة تقدّم عبر علاقة، لا عبر استحقاق؟ وكم من خطأ استمر لأنه لم يجد من يواجهه بصدق؟ وكم من قرار تم تمريره لأننا أردنا “أن تمشي الأمور”، لا أن تمشي بشكل صحيح؟
هذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هي ما يصنع واقعنا اليومي. وهي أيضًا ما يصنع مستقبلنا.
نحن نشتكي من البطالة، من ضعف الفرص، من الضغوط الاقتصادية. لكننا نادراً ما نسأل أنفسنا: كم من هذه المشاكل مرتبط بسلوكياتنا اليومية؟ عندما لا نلتزم، عندما نؤجل، عندما نقبل بالحد الأدنى، عندما نبرر الخطأ بدل أن نصححه فإننا، دون أن نشعر، نساهم في تعقيد المشكلة التي نشتكي منها.
الوطن ليس فكرة مجردة، ولا شعارًا نردده في المناسبات. الوطن هو ما نفعله كل يوم. هو قرار نتخذه بضمير، أو نتجنبه خوفًا من المواجهة. هو عمل نقوم به بإتقان، أو ننجزه “بأي طريقة وخلاص”.
الحقيقة المؤلمة، ولكن الضرورية، هي أنه لا يمكن لأي بلد أن يتقدم إذا لم يكن الصدق جزءًا من ثقافته، وإذا لم تكن المسؤولية سلوكًا يوميًا، وإذا لم تصبح الكفاءة معيارًا لا يُساوم عليه.
نحن لا نحتاج أن نتخلى عن قيمنا، بل نحتاج أن نعيد فهمها. الكرم لا يعني أن نتهاون في الحق. الاحترام لا يعني أن نصمت عن الخطأ. التعاون لا يعني أن نتجاوز النظام. على العكس، القيم الحقيقية هي التي تدعم العدالة، وتعزز الإتقان، وتبني الثقة.
الأردن يستحق أكثر. يستحق أن تكون مؤسساته أقوى، وشبابه أكثر ثقة بمستقبلهم، وبيئته أكثر عدلاً ووضوحًا. وهذا لن يأتي فقط من قرارات حكومية أو خطط اقتصادية، بل من تحول حقيقي في طريقة تفكيرنا وسلوكنا.
التغيير لا يبدأ من مكان بعيد. لا يبدأ من “الآخرين”. يبدأ من كل واحد فينا. في عمله، في التزامه، في صدقه مع نفسه قبل الآخرين. يبدأ عندما نقول: أنا لن أقبل بالخطأ حتى لو كان صغيرًا، ولن أبرر ما أعرف أنه غير صحيح، ولن أقدم العلاقة على الكفاءة.
قد يكون هذا الطريق أصعب، وقد يجعلنا نصطدم أحيانًا، لكنه الطريق الوحيد الذي يبني وطنًا يُعتمد عليه، لا وطنًا يُجامل نفسه.
في النهاية، حب الوطن ليس شعورًا فقط، بل موقف. ليس كلمات، بل أفعال.
والسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا بصدق:
هل نحن نحب الأردن كما يجب… أم كما اعتدنا؟
إخلاء المسؤولية
هذا المقال يعكس الآراء الشخصية والتفسيرات المهنية للمهندس نبيل إبراهيم حداد، وهو لأغراض معرفية وتثقيفية فقط، ولا يُعد استشارة مهنية أو قانونية أو تعاقدية. تم بذل الجهد لضمان دقة المعلومات، إلا أنه لا يتحمل أي مسؤولية عن الأخطاء أو السهو أو عن أي نتائج مترتبة على استخدام هذه المعلومات. ويُنصح القراء والجهات المعنية بتطبيق ما ورد بما يتناسب مع ظروفهم الخاصة.








