مبررات الاستدامة لتمرير تعديلات قانون الضمان الاجتماعي.. قراءة دستورية في حدود سلطة المشرّع

{clean_title}
الشريط الإخباري :  

مبررات الاستدامة لتمرير تعديلات قانون الضمان الاجتماعي.. قراءة دستورية في حدود سلطة المشرّع

 

حين تمسّ يدُ التعديل قانوناً اجتماعياً بحجم وأثر قانون الضمان الاجتماعي، فإن النقاش لا يكون تقنياً صرفاً، ولا مالياً بحتاً، بل دستورياً في جوهره. فالضمان ليس امتيازاً تمنحه الدولة، بل منظومة حماية اجتماعية تقوم على الاشتراك الإلزامي والثقة المتبادلة بين المواطن والمؤسسة.

ومع تداول مبررات الحكومة بشأن تعديل قانون الضمان الاجتماعي عبر المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي وإحالة المشروع إلى مجلس الوزراء، يثور السؤال الجوهري:

هل تكفي الأسباب المعلنة لتبرير هذه التعديلات؟

نرى ان هذه المبررات غير كافية لاجراء تعديل على قانون الضمان الاجتماعي.

 

وان اي تعديل لهذا القانون يجب ان يبنى على المعايير والضوابط التالية:

أولاً: معيار الضرورة.

      هل يوجد خطر حقيقي؟

      الحكومة تستند إلى عناوين كبرى مثل:

       – الاستدامة المالية

       – العجز الاكتواري المستقبلي

       – ارتفاع كلف التقاعد المبكر

       – زيادة متوسط الأعمار

وهذه أسباب مشروعة من حيث المبدأ، لكن في الفقه الدستوري، لا يكفي أن تكون الأسباب “محتملة”، بل يجب أن تكون:

– مثبتة بدراسات اكتوارية معلنة

– قائمة على أرقام شفافة

– دالة على خطر حقيقي لا افتراضي

– غير قابل للمعالجة بوسائل أقل مساساً بالمشتركين

فإذا لم يكن الخطر وشيكاً أو مثبتاً بوضوح، فإن التدخل التشريعي المشدد يصبح محل مساءلة.

 

ثانياً: معيار التناسب.

هل الوسيلة هي الأقل ضرراً؟

حتى بافتراض وجود ضرورة مالية، يبقى السؤال:

هل رفع سن التقاعد أو زيادة مدد الاشتراك هو الحل الوحيد؟

هل جرى استنفاد البدائل الأقل أثراً، مثل:

– تحسين إدارة الاستثمارات؟

– تقليص التهرب التأميني؟

– إعادة هيكلة بعض المنافع دون المساس بالشروط الجوهرية؟

إن مبدأ التناسب يفرض أن تكون الوسيلة:

– مناسبة لتحقيق الهدف

– ضرورية

– وألا تتجاوز الحد اللازم

وأي تشدد تشريعي عام دون تدرج أو استثناءات انتقالية قد يُعد إخلالاً بهذا المبدأ.

 

ثالثاً: مبدأ الثقة المشروعة

إن المشترك الذي خطط لحياته المهنية والمالية على أساس شروط قائمة، لا يمكن تجاهل مركزه القانوني وكأنه صفحة بيضاء.

صحيح أن الاشتراك لا ينشئ حقاً ثابتاً في بقاء النص، لكنّه ينشئ توقعاً مشروعاً بعدم التغيير المفاجئ والجذري دون حماية انتقالية، والتشريعات الرشيدة عادةً:

– تستثني من اقترب من الاستحقاق

– تعتمد تطبيقاً تدريجياً

– تمنح فترات سماح معقولة

أما التعديل الفوري الشامل، فقد يُنظر إليه كمساس بالأمن القانوني.

 

رابعاً: حدود سلطة المشرّع

إن المشرّع يملك حق التعديل، لكن هذا الحق ليس مطلقاً، فهو مقيّد بـ:

– مبدأ العدالة الاجتماعية

– حماية الحقوق المكتسبة

– منع التعسف التشريعي

– احترام المساواة بين المشتركين

ولا يجوز أن تتحول “الاستدامة” إلى عنوان عام يبرر أي تضييق دون رقابة موضوعية.

 

وبناء على ما سبق ،،، تكون مبررات الحكومة كافية دستورياً إذا:

  1. استندت إلى دراسات اكتوارية منشورة وشفافة
  2. أثبتت وجود خطر مالي حقيقي
  3. 3. عالجت الخلل بأقل الوسائل مساساً
  4. ضمنت حماية انتقالية عادلة
  5. لم تمس الحقوق المكتسبة

أما إذا كانت الأسباب عامة وفضفاضة، دون شفافية رقمية كافية، ودون معالجة متدرجة فإنها لا ترقى إلى مستوى التبرير الدستوري الكافي.

 

وفي الختام، يجب أن يكون جليًا أن الضمان الاجتماعي ليس ملفاً مالياً يُدار بالأرقام وحدها، ولا حقاً فردياً معزولاً عن المصلحة العامة. إنما هو عقد اجتماعي مستمر بين الأجيال، والتشريع الرشيد لا يُقاس بقدرته على التشديد، بل بقدرته على تحقيق التوازن :-

– بين الاستدامة والعدالة

– بين الحماية والانضباط

– بين الإصلاح والاستقرار

فإذا كانت الاستدامة ضرورة، فإن العدالة شرط.

وإذا كان الإصلاح واجباً، فإن الثقة المشروعة أولى بالحماية.

 

والسؤال الذي سيبقى معيار الحكم على أي تعديل ليس سؤال : ( هل تستطيع الدولة أن تُعدّل؟)

بل هو السؤال : هل استطاعت الدولة أن تُقنع بأن التعديل كان ضرورة عادلة لا عبئاً يمكن تجنبه؟

المحامي اسلام الحرحشي

مركز إحقاق للدراسات القانونية

 

 

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة الشريط الإخبارية 2024
تصميم و تطوير
Update cookies preferences