شباب الأردن بين الجوع والواسطة يريدون حياة بكرأمة! والله بكفي ؟
بقلم عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
بكفي. والله بكفي.
الشعب الأردني لم يعد يحتمل. الجوع أصبح جزءًا من حياته اليومية، والأمل يتآكل مع كل يوم يمر.
الشباب يبحث عن عمل ليعيش، ليأكل، ليبني حياة كريمة… لكن الطريق مسدود أمامه.
ليس بسبب نقص الكفاءة، ولا ضعف الطموح، ولا قلة الشهادات، بل بسبب الترهل الإداري الواسطة والمحسوبية التي كسرت ظهره وكست حياته بالخيبة.
من حق كل خريج جامعي أن يجد وظيفة في الدولة، ومن حق كل من يحمل شهادة الثانوية العامة، ولم يتمكن من إكمال دراسته الجامعية بسبب شدة العوز، أن توفر له الدولة عملاً ليعيل أسرته بكرامة.
شاب يتخرج اليوم ويُعين قبل أن يجف حبر شهادته نتيجة نفوذ الآخرين ، بينما شاب آخر تخرج قبل عشرين عامًا، وصل الأربعين بلا عمل، بلا استقرار، بلا بيت، وبلا قدرة على الزواج.
ماذا يفعل هذا الإنسان؟
كيف يعيش؟
من أين يأتي بالخبز لأسرته؟
من أين يسدد فواتير الماء والكهرباء؟
ومن أين يدفع أجرة البيت؟
كثيرون من شبابنا يتسكعون من مول إلى مول، ومن دكان إلى دكان، ومن ورشة إلى ورشة، ومن سوق السكر وسط البلد إلى سوق البخارية، طلبًا للعمل الذي قد يضمن لهم البقاء… ونادرًا ما يجدونه.
واذ هو كمن يبيعوا المي بحارة السقايين ؟
وهناك من وصل إلى مرحلة اليأس النفسي، قد يفقد قوته العقلية، أو يُجبر على الانحراف، أو التعاطي، أو حتى الانتحار.
حين يدخل الشاب دائرة حكومية لإنجاز معاملة، ويجد موظفًا يصغره بعشرين عامًا، مستقرًا، متزوجًا، ويملك بيتًا ويقود سيارته الخاصة… يسأل نفسه بصوت خافت:
كيف هذا يحصل على كل شيء، وأنا انتظر كل هذه السنين ولم أحصل على واحدة منها؟
هذه ليست مجرد شكوى… إنها صرخة أمة تُغلق أبواب الحياة في وجه شبابها.
هل يُعقل أن نطلب من المواطنين “شد الأحزمة على بطونهم” باسم الوطن… بينما أصحاب الملايين والمليارات في أعلى المناصب يعيشون بلا أحزمة، وببطون متخمة؟
الشعب لم يُخلق ليكون رقمًا في تقارير البطالة… ولا ليقف في طوابير مساعدات موسمية من جمعيات خيرية وغيرها ، إلا إذا أرادت الحكومة أن يبقى المواطن يبحث عن أبسط مقومات رزقه مضيعة للوقت ، بينما حقه في العمل والكرامة مهضوم.
ولا يعقل أن تبقى الأسر بلا معيل، وأن يكون دورها في الحياة مجرد تعداد للسكان.
صحيح، أنا أكتب عن هموم المواطنين والوجع الذي يعيشونه… وأعرف أن الكتابات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تحرك ساكنًا عند المسؤول، ولا الحكومة تلتفت إليها… لكن لا وسيلة لسماع صوت الغلابا إلا من خلال هذه المنابر.
وكلما عقدت العزم على التوقف عن الكتابة لأن الأمر بلا جدوى، أعود لأكتب… من أجل إحياء الضمير… حتى أبرئ ذمتي أمام الله.
طالبت بحقوق المستضعفين والمغلوب على أمرهم من أبناء الشعب الأردني… ليعيشوا بكرامة وشرف… بعيدًا عن طرق الواسطات والمحسوبيات.
قد تقول الحكومة: لا توجد ميزانية لتوظيف الجميع…
ونقول: توجد ميزانية لو أُحسن التصرف بها…
فلماذا لا يُحسن التصرف؟
لا حاجة لرواتب شهرية تتجاوز عشرين ألف دينار لرؤوساء مجالس إدارات… ولا لمياومات ومكافآت تُصرف بسخاء… ولا لمؤسسات مستقلة أو لجان بلا جدوى.
ولا لهذه الأعداد الكبيرة من الوزراء وأصحاب المواقع القيادية التي أصبحت تفوق الخيال.
ولا حاجة لمجلس نواب بأكثر من نصف العدد الحالي… ولا لأعداد السيارات الفارهة مع الوزراء والمسؤولين، بينما البطالة تتفاقم والمديونية تتزايد.
ولا داعي لكل المؤتمرات والندوات والخلوات التي لم تقدم شيئًا يخدم المواطن.
كل هذه الأموال يمكن تحويلها إلى فرص حقيقية لشبابنا.
إعادة ترتيب الأولويات ليست مستحيلة… هي مسألة إرادة.
كفى تحميل المواطنين معاناة الجوع والصبر على حرمانهم باسم الوطن…
بينما لا يشعر المتنفذون وأصحاب الملايين بأي معاناة.
الوطن فوق الجميع حقًا… ولن يزاود علينا أحد … نحميه بالمهج والأرواح.
لكن التضحية يجب أن تكون عادلة… لا أن يتحملها الفقير وحده.
الحرمان من العمل لا يصنع الفقر فقط… بل قد يصنع انهيارًا نفسيًا واجتماعيًا.
كم من شاب كان يومًا الأول على دفعته… انطفأ لأنه انتظر طويلًا؟
كم من طاقة وطنية تحولت إلى عبء نفسي بسبب الإقصاء والواسطة؟
الواسطة والمحسوبية ليست مجرد سرقة فرص… بل هي جريمة ضد المستقبل، ضد شبابنا، وضد الوطن نفسه.
الشعب الأردني صبر طويلًا… ولولا وعيه وولاؤه لما استقرت مؤسسات، ولا استمر مسؤول في موقعه.
لكن الصبر ليس بلا نهاية… والكرامة ليست تفصيلًا يمكن تأجيله.
نريد عدالة في التعيين… شفافية لا استثناء فيها لأحد… وخطة تشغيل بزمن محدد ومعلن.
نريد إعادة توجيه الإنفاق من الامتيازات إلى الفرص… حتى يشعر المواطن أن الدولة معه لا ضده… وأن حقه محفوظ بعيدًا عن المحسوبيات.
التاريخ لا يرحم… والأوطان لا تُختبر بالخطب والاجتماعات والتعديلات، بل بالعدالة.
ليس أخطر على الدولة من شعور المواطنين بأن الأبواب موصدة في وجوههم…
ولا أثمن من جيل يشعر أن وطنه احتضنه، لا أن يُقصى عنه.
نحن لا نهاجم الوطن… بل ندافع عنه.
افتحوا الأبواب بعدل… قبل أن يتحول الانتظار إلى فقدان ثقة… والقهر إلى شرخ يصعب ترميمه.
لا تلزوا الشعب على الطور… بات لا يحتمل أكثر مما هو عليه.
والله بكفي. والله بكفي.
افهموا يا أولي الألباب








