عندما يواجه الانسان صدمة كبيرة او فقدانا مفاجئا في حياته يجد نفسه محاطا بعبارات يحاول المحيطون بها تقديم الدعم الا ان بعضها قد يترك اثرا عكسيا تماما. تروي ريبيكا لوف وهي معالجة نفسية تجربتها الشخصية مع فقدان ابنها وكيف كانت جملة انت قوية جدا تتردد على مسامعها في اصعب لحظاتها. توضح لوف ان هذه العبارة التي يقصد بها الناس المواساة كانت تشعرها في الواقع بان معاناتها غير مرئية وان مشاعرها يتم تجاهلها بدلا من الاعتراف بمدى فظاعة الالم الذي تمر به.
واضافت لوف ان القوة التي يراها الناس من الخارج ليست سوى محاولة للبقاء على قيد الحياة والتماسك امام الظروف القاسية التي لا يمكن لاحد تجاوزها بمفرده. واكدت ان المساندة الحقيقية لا تكمن في اطلاق الاحكام او وصف الشخص بالصلابة بل في الحضور الصامت والوقوف بجانب المتألم دون محاولة تجميل الواقع او التقليل من حجم الانهيار الذي يشعر به داخليا.
وبينت ان الاشخاص الذين ظلوا بجانبها لم يخبروها بانها قوية بل كانوا يدركون ان فقدان الابن جرح لا يندمل بسهولة فقاموا بمرافقتها في رحلة الالم بصمت وتقدير. وهذا الموقف هو ما يحتاجه فعليا كل من يمر بازمة حيث يفضل الناس الشعور بانهم مرئيون ومسموعون بدلا من تلقي مديح لا يعبر عما يدور في اعماقهم من صراع.
ماذا تعني عبارة انت قوي في علم النفس؟
وتوضح المعالجة النفسية امي مورين ان القوة الحقيقية في الازمات تكمن في القدرة على طلب المساعدة واظهار الضعف البشري الطبيعي وليس في ادعاء التماسك. واشارت الى ان قول انت قوي قد يترجم لدى المتلقي على انه مطالبة ضمنية باخفاء مشاعره الحقيقية والتوقف عن البكاء او الشكوى امام الاخرين.
وذكرت مورين من واقع تجربتها الشخصية كيف فقدت والدتها وزوجها في فترة متقاربة وكيف كان الناس يثنون على صمودها الخارجي دون ان يدركوا انها كانت تضع قناعا شجاعا فقط لتتمكن من اكمال يومها. واكدت ان قراءة هذا القناع على انه قوة يبعث برسالة خاطئة تماما تجعل الشخص يشعر بانه مقيد في التعبير عن وجعه.
واضافت الاخصائية الاجتماعية لورين جيسيل ان الانسان في الازمات يحاول فقط التعامل مع ما فرض عليه من واقع ولا يملك خيارا اخر سوى الاستمرار. واكدت ان هذه العبارات تعيد تأطير التجربة بشكل يبتعد عن مشاعر الشخص الحقيقية مما يزيد من الضغط النفسي على من يشعرون بان اظهار الهشاشة غير مقبول اجتماعيا.
لماذا نلجأ لهذه العبارات رغم معرفة اثرها السلبي؟
وتشير التقديرات النفسية الى ان تكرار عبارة انت قوي ينبع احيانا من قلق الشخص المواسي نفسه الذي لا يجد الكلمات المناسبة لمواجهة الم الاخر. واوضحت لورين اننا نتمسك بتلك العبارات بحثا عن طمأنينة شخصية بانفسنا فاذا كان الشخص المتألم قادرا على التحمل فاننا نقنع انفسنا باننا سنكون قادرين على ذلك ايضا في حال تعرضنا لنفس الظروف.
وبينت لوف ان المجتمع يفتقر الى لغة الحزن ولا يعرف كيف يجلس في حضرة الالم دون محاولة اصلاحه او تغليفه بكلمات جاهزة. واكدت ان هذا يضع عبئا اضافيا على الشخص المكلوم الذي يضطر الى طمأنة من حوله وتقليل وقع ما يمر به حتى لا يشعرهم بالقلق او الحرج.
واوضحت ان جذور المشكلة تكمن في عدم تدريبنا على التعامل مع مشاعر الحزن العميق وفهم ان الهدف ليس دائما تقديم حلول سريعة بل تقديم دعم عاطفي حقيقي ومستمر.
بدائل عملية لمواساة من يمرون بازمات
ويرى الخبراء ان البديل الافضل هو الاعتراف بصدق العجز عن ايجاد الكلمات المناسبة مثل قول لا اعرف ماذا اقول لكني هنا بجانبك. واكدت لوف ان هذا النوع من الصدق يفتح بابا للحوار الحقيقي ويسمح للمتألم بان يكون على طبيعته دون تجميل او تكلف.
واضافت مورين ان تقديم الدعم يجب ان يكون ملموسا مثل سؤال الشخص كيف حالك الان مع استعداد حقيقي للاستماع للاجابة مهما كانت قاسية. واكدت ان طرح اسئلة مفتوحة يعطي للمتألم مساحة ليقرر بنفسه ما اذا كان يريد الحديث او الصمت او الحصول على مساعدة عملية.
وشددت جيسيل على ضرورة مراقبة احتياجات الشخص المتألم وسؤاله مباشرة عن نوع العون الذي يحتاجه سواء كان دعما لوجستيا او مجرد وجود صديق يستمع اليه دون اصدار احكام.
هل يحق لك رفض كلمات المواساة؟
وختمت لوف بان من يمرون بفترة حداد ليسوا ملزمين بابتلاع كل ما يقال لهم من كلمات قد تزيد من جراحهم. واكدت انه من حق الشخص رسم حدود واضحة بقوله هذه الجملة لا تساعدني الان بشكل هادئ ومباشر.
واضافت ان هذا الرد غالبا ما يكون تعليميا للطرف الاخر الذي قد لا يدرك ان كلماته كانت مؤلمة. واكدت ان وضع هذه الحدود يساعد في توعية المحيطين بطريقة الدعم الصحيحة ويحمي المتألم من الضغوط غير الضرورية.
