كسرت مجموعة من النساء في قرى بحيرة فيكتوريا بكينيا واحدا من اعتى المحظورات الاجتماعية التي استمرت لعقود. حيث قررت رودا اونغوتشي اكيتش ان تخوض غمار مهنة صيد الاسماك التي ظلت حكرا على الرجال. واجهت اكيتش في بداياتها همسات من ابناء قريتها الذين اعتبروا ان وجود النساء في قوارب الصيد يعد خروجا عن التقاليد الراسخة. واوضحت اكيتش انها اصرت على تعلم المهنة رغم التحديات الاجتماعية والضغوط التي كانت تلاحقها في كل خطوة نحو ضفاف البحيرة.
واكدت اكيتش التي تجاوزت الستين من عمرها ان المجتمع بدأ يتقبل وجودها حين ادرك ان دافعها هو تأمين لقمة العيش لعائلتها. واضافت ان الصعوبات الاقتصادية كانت المحرك الرئيسي لهذا التحول الجذري في حياة نساء المنطقة. وبينت ان الكثير من النساء كن يعملن سابقا في تجارة الاسماك البسيطة قبل ان يجدن انفسهن مضطرات للانخراط في عمليات الصيد المباشر.
وكشفت الوقائع الميدانية ان التغير المناخي الذي يضرب بحيرة فيكتوريا زاد من حدة الضغوط على العاملين في قطاع الصيد. واشار مراقبون الى ان انخفاض الثروة السمكية وارتفاع تكاليف المعيشة دفع النساء الى البحث عن مصادر دخل بديلة اكثر جدوى. وشدد هؤلاء على ان صمود النساء في هذا القطاع ساهم في تغيير نظرة المجتمع تدريجيا نحو عمل المرأة في المهن الشاقة.
تقاليد صارمة في مواجهة الواقع الاقتصادي
واوضح ويليام اوكيدو وهو من شيوخ المنطقة ان التقاليد القديمة كانت تفرض قيودا صارمة على تحركات النساء في البحيرة. وبين ان الاعتقاد السائد كان يربط بين نزول المرأة الى المياه وخسارة الصيادين لرزقهم. واكد ان هذه المعتقدات بدأت تتلاشى امام الحاجة الماسة لزيادة الدخل وتحسين مستوى معيشة الاسر في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
واضافت فايث اوور انغاوو التي انضمت الى المهنة لاحقا انها واجهت رفضا اوليا من زوجها خوفا من ردود فعل المجتمع. واوضحت ان نجاح رودا في الصيد كان بمثابة القدوة التي شجعت الاخريات على اتخاذ الخطوة ذاتها. وبينت ان العديد من النساء اصبحن اليوم يمتلكن قوارب خاصة بهن ويحققن عوائد مالية تتجاوز ما كن يحصلن عليه من تجارة التجزئة.
وكشفت بيانات بحثية ان البحيرة تضم اليوم الاف الصيادين من النساء رغم التضارب في الارقام الرسمية المحلية. واكد الخبراء ان الدخل الذي تحققه النساء من الصيد اصبح يساهم بشكل مباشر في دفع الرسوم الجامعية وتلبية احتياجات الاطفال. واضافت دوركاس اويو ان الحاجة الى دخل اضافي كانت السبب وراء تراجع الازواج عن معارضة عمل زوجاتهم في البحيرة.
تحديات بيئية ومستقبل غامض للبحيرة
وبين كريس موتاي كبير اخصائيي الارصاد ان التغير المناخي تسبب في رفع درجات حرارة المياه بشكل كبير. واوضح ان هذا الارتفاع ادى الى تراجع كميات الاسماك نتيجة نقص الاكسجين ونمو الطحالب بشكل غير طبيعي. واكد ان البحيرة التي يعتمد عليها الملايين تواجه خطرا حقيقيا يتطلب تدخلا عاجلا لحماية بيئتها.
واضافت التقارير ان الصيد الجائر والتلوث يفاقمان من معاناة العاملين في هذا القطاع الحيوي. واوضحت ان النساء اللواتي اقتحمن مهنة الصيد يواجهن اليوم تحديا مزدوجا يتمثل في القيود الاجتماعية من جهة وتراجع الثروة السمكية من جهة اخرى. وبينت ان استمرار هذه المهنة مرهون بقدرة المجتمع على التكيف مع التغيرات البيئية الحادة.
واكدت اكيتش في ختام حديثها ان حياة سكان البحيرة مرتبطة بشكل وثيق بما تجود به المياه. واضافت ان الصياد الذي لا يجد سمكا يواجه مصيرا مجهولا لا يختلف عن مصير الارض التي لا تنتج. وشددت على ان النساء سيواصلن الابحار كل فجر رغم كل الصعوبات من اجل تأمين مستقبل افضل لعائلاتهن في واقع متغير باستمرار.
