تتجلى في المشهد العسكري الاسرائيلي حالة من التناقض الصارخ الذي يعكس انتقائية مقلقة في التعامل مع الانتهاكات، حيث سارعت المؤسسة العسكرية الى ادانة تحطيم تمثال للمسيح في جنوب لبنان في محاولة لترميم صورتها امام الغرب، بينما تقابل جرائم القتل والدمار في قطاع غزة والضفة الغربية بصمت مطبق او تبريرات واهية، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة القيم التي يتبناها جيش الاحتلال في تعامله مع الضحايا الفلسطينيين.
واوضحت تقارير صحفية ان هذه المفارقة ليست وليدة الصدفة بل هي نهج مؤسسي، حيث يتم تصنيف الانتهاكات الجسيمة ضد الفلسطينيين كأخطاء تقنية بسيطة، في حين تتحول اي اساءة لرمز ديني الى قضية رأي عام تستنفر اعلى المستويات السياسية في تل ابيب، مما يكشف عن الصندوق الاسود لسياسات التمييز التي تتبعها اسرائيل في ادارة ملفاتها الحقوقية.
وبينت التحليلات ان هذا التباين الحاد يعكس رغبة في استرضاء القوى الدولية وتجنب الصدام مع اليمين المسيحي، في وقت تغيب فيه اي محاسبة حقيقية للجنود الضالعين في قتل المدنيين، مما يرسخ قناعة بان حياة الانسان الفلسطيني لا تحظى باهتمام يذكر في اروقة القرار الاسرائيلي.
انتقائية العقاب في السياسة الاسرائيلية
وكشفت صحيفة هآرتس ان المحاسبة في اسرائيل اصبحت تخضع لمعايير انتقائية بحتة، حيث قوبل مقتل افراد عائلة بني عودة في الضفة الغربية بتجاهل تام من قبل وحدة التحقيق بوزارة العدل، بينما حظيت واقعة التمثال باهتمام دبلوماسي واسع، مما يشير الى ان القانون لا يطبق الا حين يكون الفعل قادرا على اثارة ردود فعل دولية او عندما يكون الضحية حاملا لجنسية غربية.
واضافت الصحيفة ان سلوك قوات الامن في الضفة الغربية لا يحظى باهتمام جدي الا اذا كان موجها لصحفيين اجانب، مشيرة الى ان سياسات الحكومة الحالية تعتمد على خلق اعداء خارجيين للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وهو نهج تاريخي يمارسه القادة المستبدون لضمان الولاء الاعمى بعيدا عن معايير الاخلاق.
واكد محللون ان هذه الممارسات ليست حوادث فردية بل هي نتيجة لقرار سياسي وعسكري يدعم المستوطنين، حيث يغزو هؤلاء القرى الفلسطينية بحماية من الجيش دون ان يتعرضوا للمساءلة، مما يجعل من العنف اداة ممنهجة لطرد السكان من منازلهم تحت غطاء صمت السلطات الرسمية.
جرائم منظمة تحت غطاء الحصانة
وذكرت التقارير ان وتيرة اعتداءات المستوطنين شهدت تصاعدا ملحوظا منذ بداية الحرب على غزة، حيث يتم الافراج عن المعتدين بسرعة قياسية بعد استجوابات شكلية، مما يعزز مناخ الافلات من العقاب الذي تشرف عليه المؤسسة العسكرية، ويحول الهجمات الخاطفة الى اداة ضغط منظمة ضد الفلسطينيين.
واوضحت الصحيفة ان الجنود الاسرائيليين تحولوا الى توثيق جرائمهم في غزة عبر منصات التواصل الاجتماعي بكل تباه، حيث يقتحمون المنازل وينهبون الممتلكات دون خوف من عقاب، في حين فشلت القيادة العسكرية في اتخاذ اجراءات رادعة بحق هؤلاء الجنود رغم الادانات الدولية التي تلت نشر تلك المشاهد.
وشددت الصحيفة على ان الاعتداءات ستستمر ما دامت الحكومة لا ترغب في وضع حد لها، بل ان بعض المسؤولين يذهبون الى حد وصف التوثيقات الحقوقية بانها افتراءات دعائية، وهو ما يظهر في التعامل مع فضيحة سجن سدي تيمان، حيث تم اعادة المتهمين بالاعتداء الى الخدمة بدلا من محاسبتهم.
فوبيا الغرب ودلالة الرموز الدينية
واكدت تحليلات سياسية ان استنكار نتنياهو لتحطيم التمثال كان استنفارا دبلوماسيا محسوبا، حيث ادركت تل ابيب ان المساس بالمقدسات المسيحية يمثل خطا احمر قد يزعزع علاقتها بالفاتيكان والعواصم الغربية، مما دفعهم لاتخاذ اجراءات شكلية بحق الجندي المسؤول لامتصاص الغضب الدولي.
وبينت ان الهجوم اللاذع الذي وجهه رئيس الاساقفة فينتشنزو باليا لنتنياهو نسف الرواية الاسرائيلية التي تحاول تصوير الحرب كدفاع عن قيم الحضارة، حيث اكد ان افعال الجيش تتناقض كليا مع تعاليم السيد المسيح، مما وضع الحكومة الاسرائيلية في موقف دفاعي حرج امام المجتمع الدولي.
واضافت ان الخوف الاسرائيلي من خسارة دعم اليمين المسيحي في واشنطن دفعهم لتقديم وعود كاذبة بالمحاسبة، في حين ان الحقيقة تشير الى ان الدبلوماسية الاسرائيلية تتحرك فقط لاجل الرموز، بينما تظل دماء الضحايا الفلسطينيين خارج دائرة الاهتمام الدولي والمحلي على حد سواء.
