تتجاوز الممارسات الاسرائيلية في الضفة الغربية حدود السيطرة الميدانية العسكرية لتصل الى محاولات اعادة تشكيل الهوية البصرية والثقافية للمنطقة. ويشير مراقبون الى ان هناك استراتيجية منظمة تهدف الى فرض واقع جديد عبر نشر مئات الرموز السياسية والدينية والاعلام في الطرقات العامة وعلى قمم التلال. واظهرت جولات ميدانية حديثة ان المشهد العام في الضفة بات يعكس ادوات سيطرة جديدة تسعى لتكريس مفهوم السيادة البصرية كخطوة تمهيدية لترسيخ الوجود الاستيطاني الدائم.
واكد مختصون ان هذه التحركات لا تقتصر على وضع مجسمات مثل الشمعدان ونجمة داوود فحسب بل تمتد لتشمل اعادة تسمية المدن الفلسطينية باسماء توراتية لتعزيز الرواية الاسرائيلية المزعومة. واضافوا ان هذه السياسة تهدف الى محو الطابع الفلسطيني وتحويل الضفة الى بيئة تتماهى مع التوجهات الاستيطانية تحت مسميات تاريخية مصطنعة. وبينت التقارير ان هذا الزحف البصري اصبح جزءا من المشهد اليومي للفلسطينيين في تنقلاتهم.
واوضح متابعون ان هذه الخطوات تأتي في ظل تصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين التي سجلت ارقاما مرتفعة خلال الفترة الاخيرة. وشدد هؤلاء على ان حالة الاضطراب التي تعيشها المنطقة يتم استغلالها من قبل الجماعات المتطرفة لتكثيف حضورها البصري في الميادين والمرافق العامة. واشاروا الى ان هذه الممارسات تتم غالبا تحت غطاء وحماية من قبل الاجهزة الامنية والعسكرية الاسرائيلية.
استراتيجية القوة الناعمة والسيطرة الثقافية
وكشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ان ما يجري يندرج تحت مسمى استراتيجية القوة الناعمة التي تسعى لتطبيع الوجود الاسرائيلي في الوعي العام. واضافت ان الظاهرة انتقلت من مجرد رفع اعلام على الطرق الى الاستيلاء على مؤسسات ومبان عامة كما حدث في مدارس بمدينة حوارة. وبينت ان الهدف هو فرض امر واقع يراه الفلسطيني يوميا في مدرسته وطريقه وميدان مدينته.
واكد خبراء في الشأن الاسرائيلي ان هناك ثلاث رسائل سياسية خلف هذا الاستيطان البصري تستهدف الفلسطينيين والمستوطنين والمجتمع الدولي على حد سواء. واوضحوا ان الرسالة الاولى هي ترسيخ فكرة ان الضفة جزء لا يتجزأ من المشروع الاسرائيلي. واضافوا ان الرسالة الثانية هي تقديم المنطقة للمستوطنين كبيئة حضارية وثقافية اسرائيلية. وتابعوا ان الرسالة الثالثة تهدف الى اقناع المجتمع الدولي بان الاستيطان اصبح واقعا طبيعيا لا رجعة فيه.
واظهرت التحليلات ان الهدف النهائي من كل هذه الاجراءات هو اعادة انتاج حالة من السيطرة الكاملة على الارض والانسان. وشدد الخبراء على ان هذه السياسة تستهدف بناء ما يشبه دولة المستوطنين داخل الضفة الغربية بشكل تدريجي. وبينوا ان هذه الاستراتيجية تشكل خطرا حقيقيا على مستقبل الهوية الوطنية الفلسطينية في ظل غياب رادع دولي قوي.
تزوير التاريخ عبر الرموز الدينية
وكشفت دراسات ان استخدام الرموز الدينية يهدف الى منح شرعية زائفة للوجود الاستيطاني عبر ربط المواقع الفلسطينية بروايات دينية تلمودية. واضافت ان هذا يشمل تغيير اسماء مدن مثل نابلس والخليل الى مسميات توراتية لغايات سياسية بحتة. وبينت ان هذا الاسلوب يهدف الى طمس الحقائق التاريخية والجغرافية التي تؤكد هوية الارض الفلسطينية.
واكد مراقبون ان استهداف المقامات الدينية الفلسطينية وتحويلها الى مزارات يهودية يعد جزءا من معركة الوعي. واضافوا ان تزييف تاريخ مقامات مثل قبر يوسف في نابلس يمثل محاولة لتكريس رواية دينية متطرفة. وشددوا على ان الهدف من ذلك هو اعادة تشكيل الوعي التاريخي بما يخدم المشروع الاستيطاني التوسعي في المستقبل.
