أ.د كامل عودةالله محادين

ليس الوطن عندي خارطةً معلّقة على جدار،
ولا اسماً نردده في المناسبات، ولا حدوداً تُرسم بالحبر على الورق. الوطن أعمق من ذلك كله؛ هو المكان الذي يسكن فينا قبل أن نسكنه، والذاكرة التي نمضي بها أينما مضينا، والرائحة التي تعيدنا إلى طفولتنا ولو ابتعدت بنا المسافات.

أنا أسكن زاويةً أردنية.
زاويةً لا تحدّها الجهات، وإن كانت في
ظاهرها بيتاً صغيراً في هذا الوطن الكبير. جدرانها من حجرٍ أردني أزلي، يحمل في مسامه ذاكرة الذين مروا من هنا، وضحكات الأطفال، وتعب الآباء، وصلوات الأمهات، وحكايات الجدات. في تلك الزاوية، لم يكن الحجر حجراً فحسب؛ كان وطناً متماسكاً، يشبه أهله في صلابته، ويشبه ذاكرتهم في بقائه.

أما جدي، الكركي المولد، فكان للمكان
مسكُه وطيبُه. منه تعلمت أن الرجولة ليست قسوة، وأن الصلابة لا تعني غياب الحنان. كان في حضوره شيء من جبال الكرك؛ شامخاً، ثابتاً، عميق الجذور، وفي قلبه مساحة واسعة للمحبة.

ومن والدي أخذت معنى الخدمة. ذلك الذي خدم فأغدق، وعاش مؤمناً بأنقيمة الإنسان لا تقاس بما يأخذ من وطنه، بل بما يتركه فيه. ومنه فهمت أن الوطن ليس جهةً تمنحنا، وإنما أمانةٌ نمنحها من أعمارنا وطاقتنا وصدقنا.

أما كرامتي، فقد جاءتني من الأرض.
من عطر سفوح شيحان، ومن تلة خالد، ومن
ترابٍ يعرف كيف يحتفظ بأقدام العابرين. هناك، حيث لا تحتاج الأرض إلى كثير من الكلام كي تقول للإنسان من هو، أدركت أن الكرامة ليست شعاراً؛ إنها جذور. وأن الإنسان كلما عرف أرضه أكثر، عرف نفسه أكثر.
ولأن الأردن لم يكن يوماً جزيرةً معزولة عن محيطها، فإن قصتي لم تولد من جهة واحدة.

وُلدت من شرقٍ يمد يده إلى غرب، ومن شمالٍ يحاور جنوباً، ومن تاريخٍ تتجاور فيه الحكايات كما تتجاور البيوت في قرية أردنية.
في وجداني، تحاور أجراس الكنائس ذات الذاكرة التلحمية، أذان المساجد ذات المنشأ القدسي. لا أرى بينهما جداراً، بل أرى حواراً قديماً بين أبناء أرضٍ واحدة، جمعتهم الجغرافيا، وقرّبهم التاريخ، وصاغت بينهم أواصر المحبة والعيش المشترك.

هكذا كان الأردن في ذاكرتي دائماً: مكاناً
تتسع فيه الهوية ولا تضيق، وتلتقي فيه روافد متعددة لتصب في نهر واحد.
كلما تذكرت حارات قرى الأردن ومدنه، ساقتني الذاكرة إلى أزقة عربية أبعد من حدود المكان. فالقرية الأردنية لم تكن بالنسبة إليّ نهاية الطريق، بل كانت نافذةً على عالم عربي كبير. في الحجر، وفي السوق، وفي رائحة الخبز، وفي أصوات الناس، كنت أرى شيئاً من الشام، وشيئاً من فلسطين، وشيئاً من الجزيرة، وشيئاً من العراق؛ وكأن هذه المنطقة كلها كانت، وما زالت، كتاباً واحداً تتعدد صفحاته ولا تتغير روحه.

لذلك، حين يخط قلمي حرفاً، لا أستطيع أن أفصل الحرف عن المكان. وحين تتحرك ريشتي لترسم، لا أستطيع أن أفصل اللون عن الذاكرة. خلف كل كلمة أكتبها تقف أمي بحنانها وخلف كل فكرة أحاول أن أبنيها يقف أبي بحكمته. فالأم تمنح الإنسان قدرته على الحب، والأب يمنحه القدرة على الوقوف. وبين الحب والوقوف تتشكل شخصية الإنسان.

ولهذا، كلما فكرت في النهوض بفكر أو عمل، تذكرت أنني أردني الهوية، عروبي المنشأ.
ولا أقول ذلك بحثاً عن تعريفٍ ضيق للذات، بل لأن الهوية عندي مسؤولية قبل أن تكون انتماءً. أن تكون أردنياً يعني أن تحمل تاريخ هذه الأرض، وأن تحترم تنوعها، وأن تعرف أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من اللحظة، وأعمق من السياسة والمصالح العابرة.

أن تكون عروبياً يعني أن ترى امتداد روحك في محيطك، وأن تدرك أن الحدود السياسية لا تستطيع أن تلغي وحدة الذاكرة والثقافة واللغة والتاريخ. إنني أفخر أنني وُلدت في أرضٍ سنابلها لا تنضب، حتى حين تشح السماء. أرضٍ تعرف أن القمح ليس محصولاً فقط، بل رمزٌ للكرامة.

أرضٍ غيوم سمائها، حين تمطر، لا تسقي الحقول وحدها، بل تغسل عن الروح غبار التعب، وتعيد إلى الناس يقينهم بأن الخير يمكن أن يأتي بعد مواسم الانتظار.
ذلك هو الأردن الذي أسكنه، ويسكنني.
ليس الأردن الذي نراه في الصور وحدها،
وإنما الأردن الذي نحمله في تفاصيلنا الصغيرة: في رائحة الخبز، في حجر البيت، في صوت الأم، في حكمة الأب، في لهجة الجد، في تراب القرية، في طرق المدينة، في ظل شجرة، وفي ذاكرة مكان لا نعرف لماذا نشتاق إليه، لكننا نعرف أننا ننتمي إليه.

إن السردية الأردنية، في جوهرها، ليست حكاية مكان فقط، بل حكاية إنسان استطاع أن يصنع من القليل كثيراً، ومن الصخر بيتاً، ومن القحط أملاً، ومن التنوع وحدة، ومن الجغرافيا جسراً يصل المشرق ببعضه.

هي سردية الفلاح والجندي والمعلم
والعامل، وسردية الأم التي خبزت للأبناء قبل أن تفكر في نفسها، والأب الذي خدم وطنه دون أن ينتظر منه مقابلاً. هي سردية المدن والقرى والبوادي والأغوار والجبال؛ سردية الحجر والشجر والماء والقمح، وسردية أجيال تعاقبت وهي تعرف أن الوطن لا يُورث كما تُورث الممتلكات، بل يُورث كأمانة.

لهذا، فإن حب الأردن ليس أن نقول إنه
جميل فقط، بل أن نكون جديرين بجماله.
ليس أن نتغنى بتاريخه فقط، بل أن نضيف إلى تاريخه صفحةً تستحق أن تُقرأ.
ليس أن نحفظ أسماء أبطاله فقط، بل أن نترك لأبنائنا وطناً أكثر أمناً وكرامةً وعدلاً مما تسلمناه.
أنا، في نهاية الأمر، لا أسكن الأردن وحده.
الأردن يسكنني….
يسكن في حجر بيتي، وفي خبز جدتي، وفي حنان جدي، وفي جذور أبي، وفي صوت أمي، وفي عطر شيحان، وفي تلة خالد، وفي كل قرية ومدينة مررت بها وتركت في روحي شيئاً منها.

ولهذا، حين أقول: أنا أردني، لا أصف مكان ولادتي فقط. إنني أصف وطناً صنع جزءاً من ملامحي، وكتب بعض سطوري، وعلّمني أن الإنسان يمكن أن يكون ابن مكانه، وفي الوقت نفسه ابن محيطه العربي، وأن الانتماء الحقيقي لا يبني الجدران، بل يفتح الأبواب.

سلامٌ للأردن ولأهله…
سلامٌ لأرضٍ أعطت أكثر مما أخذت. وسلامٌ لكل من حمل تراب الوطن في يديه، أو حفظه في قلبه، أو خدمه بعمره، أو صان كرامته، أو ترك فيه أثراً طيباً.
وسلامٌ لكل من سفَّ تراب الوطن من أجل الوطن.