بقلم المحامية هنزاد التل
يصادف الثالث عشر من أيلول اليوم العالمي للقانون، ومثل هذه المناسبة لا تستحق أن تمر بكلمات احتفالية عابرة، لأن القانون ليس مادة تُكتب في الجريدة الرسمية ثم تُغلق صفحاتها، وليس سلاحًا نخرجه عندما يقع الخلاف. القانون هو أساس الحياة المنظمة، والمرجعية التي يجب أن يعود إليها الجميع دون استثناء.
والأردن دولة مؤسسات وقانون، وهذه ليست مجرد عبارة تُقال، وإنما مبدأ يجب أن ينعكس على حياة المواطن وسلوكه وثقته بالمؤسسات. لكن السؤال الذي قد يكون مزعجًا بعض الشيء: هل المواطن الأردني واعٍ فعلًا بالقانون، وبما له وما عليه؟
المشكلة ليست دائمًا في غياب القانون، وإنما أحيانًا في غياب المعرفة به. فكم من شخص دخل في مشكلة لأنه لم يعرف أن تصرفًا معينًا مخالف للقانون؟ وكم من خلاف بسيط كان يمكن أن ينتهي لو عرف أطرافه الطريق الصحيح لحله؟ وكم من مواطن لا يتذكر القانون إلا عندما يجد نفسه أمام مشكلة أو قضية؟
ولننظر إلى حياتنا اليومية. نقود سياراتنا في الشوارع، ونقف أمام الإشارات، ونتعامل مع المؤسسات الرسمية، ونستخدم وسائل التواصل الاجتماعي، ونمارس أعمالنا ونشاطاتنا المختلفة. كل هذه التفاصيل تحكمها قوانين وأنظمة، ومع ذلك قد يتعامل البعض معها باعتبارها مجرد قيود يمكن تجاوزها متى سنحت الفرصة.
نرى من يركن مركبته بطريقة تعيق الآخرين، أو يتجاوز إشارة المرور لأنه مستعجل، أو يرمي النفايات في مكان غير مخصص لها، ثم يعتبر الالتزام بالنظام أمرًا ثانويًا. وقد تبدو هذه التصرفات بسيطة، لكنها في حقيقتها تعكس علاقتنا بالقانون: هل نحترم القانون لأنه قانون، أم فقط عندما نخشى العقوبة؟
وفي العالم الرقمي، أصبحت المسؤولية أكبر. فالكلمة التي تُكتب خلف شاشة الهاتف ليست دائمًا مجرد كلمة؛ نشر إشاعة، أو اتهام شخص، أو التشهير به، أو نشر صور ومعلومات خاصة، قد يترتب عليه أثر اجتماعي وقانوني حقيقي. وهنا نحتاج إلى وعي يجعل المواطن يفكر قبل أن يضغط زر «نشر»، كما يفكر قبل أن يتصرف في الشارع.
وحتى عند مراجعة مؤسسة رسمية أو التعامل مع موظف عام، فإن المعرفة بالقانون تساعد على أن تكون المطالبة بالحق ضمن الأصول، بعيدًا عن المشادة أو الإساءة أو محاولة تجاوز النظام. وفي الانتخابات والمشاركة العامة، يظهر الوعي القانوني أيضًا في معرفة المواطن بآليات المشاركة والاعتراض والطعن وممارسة دوره بصورة مسؤولة.
القانون ليس عقوبة فقط… القانون ثقافة وسلوك ومسؤولية.
وهنا يأتي الدور الحقيقي لمؤسسات المجتمع المدني، والجامعات، ووسائل الإعلام، والمحامين، والجهات الرسمية. فالتثقيف القانوني ليس ترفًا ولا نشاطًا موسميًا، بل ضرورة مجتمعية. المواطن لا يحتاج إلى أن يصبح محاميًا، لكنه يحتاج إلى أن يفهم القانون الذي ينظم حياته، وأن يعرف أين يبدأ حقه وأين تنتهي مسؤوليته، وما هي الجهة التي يلجأ إليها عندما يواجه مشكلة.
والوعي القانوني لا يعني حفظ أرقام المواد، بل أن يصبح احترام القانون جزءًا من السلوك اليومي، وأن يدرك المواطن أن حقوقه لا تنفصل عن واجباته، وأن حل الخلافات يكون عبر المؤسسات والقضاء والطرق القانونية، لا عبر الواسطة أو الانتقام أو فرض الأمر الواقع.
وبما أن الحديث اليوم عن مناسبة عالمية، فإن التجارب الدولية تقدم نماذج تستحق التوقف عندها. ففي الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال، يوجد Law Day الذي يركز على تعزيز فهم المجتمع لسيادة القانون ودور النظام القانوني في حماية الحقوق والحريات. والفكرة الأساسية واضحة: سيادة القانون لا تكون قوية إذا بقيت معرفتها محصورة في قاعات المحاكم ومكاتب المحامين.
وفي دول أخرى، تتجه برامج التوعية القانونية إلى المدارس والجامعات والمجتمعات المحلية، لأن بناء المواطن الواعي قانونيًا يبدأ قبل أن يصل إلى المحكمة.
لكن هناك سؤالًا آخر أكثر جرأة: هل النصوص القانونية جامدة؟
القانون يحتاج إلى الاستقرار، نعم، لكنه لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن المجتمع. فالمجتمع يتغير، والتكنولوجيا تتطور، والذكاء الاصطناعي يفرض تحديات جديدة، والجرائم الإلكترونية والخصوصية الرقمية والتجارة الإلكترونية وغيرها أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية.
لذلك، لا يكفي أن نسأل: ماذا يقول النص؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: هل ما زال النص قادرًا على مواجهة الواقع؟ وهل يحتاج إلى التطوير عندما تتغير الظروف؟
القانون القوي ليس القانون الذي يخاف من التطوير، وإنما القانون الذي يحافظ على ثوابته ويواكب المتغيرات في الوقت نفسه.
وفي الأردن، فإن تعزيز دولة المؤسسات والقانون لا يتوقف عند إصدار التشريعات، بل يحتاج إلى مجتمع يفهم القانون ويحترمه، ومؤسسات تطبقه بعدالة، وبرامج مستمرة تجعل الثقافة القانونية جزءًا من الحياة العامة.
والأهم أن ننتقل من ثقافة «دبّر حالك» إلى ثقافة «اعرف طريقك إلى القانون»، ومن ثقافة «معارفنا بتحلها» إلى قناعة بأن المؤسسة والقانون هما الطريق الطبيعي لحل النزاع.
وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة: هل نريد مواطنًا يخاف من القانون، أم مواطنًا يفهم القانون؟
الخوف قد يجعل الإنسان يلتزم عندما تكون عين الرقابة موجودة، أما الوعي فيجعله يلتزم حتى عندما لا يراه أحد. وهذا هو الفارق بين مجتمع تحكمه العقوبة ومجتمع تحكمه ثقافة القانون.
وفي النهاية، عندما يصل الخلاف إلى القضاء، لا ينبغي أن يكون السؤال: من الأقوى؟ ومن لديه واسطة؟ ومن يعرف فلانًا؟ ومن يستطيع الضغط أكثر؟
السؤال يجب أن يكون: ماذا يقول القانون؟
وهذه هي جوهر دولة المؤسسات.
في اليوم العالمي للقانون، لعل الرسالة الأهم ليست أن نُذكّر المواطن بأن هناك قانونًا، وإنما أن نُذكّره بأن القانون ليس خصمًا للمواطن، بل هو الإطار الذي يحمي المجتمع وينظم العلاقة بين أفراده ومؤسساته.
فالمجتمع الواعي لا ينتظر أن يقع في المشكلة حتى يبحث عن القانون… بل يعرف القانون قبل أن تقع المشكلة.
القانون ليس كتابًا على الرف… القانون حياة، والوعي به قوة.
