كتب الكاتب محمد شبانة:
- مجموعة قصصية ممتعة، لا تعتمد على الأحداث بقَدر ما يغلب عليها الطابع الذهني، فنحن أمام كاتبة ذات حس مرهف، ربما لم تكن تبغي سوى أن تحيا بسلام في هذا العالَم، وهو ما يؤكده التصدير من قصيدة والت ويتمان "أوراق العشب": "أنا موجود، كما أنا، حتى لو لم يعلم بي أي امرىء في هذا العالَم، فسأجلس راضيًا". لا يوجد تحدٍ هنا، أو رغبة في إثبات الوجود، ولكن ثمة استغناء، وكأن يكفي الإنسان فقط أن يعترف لنفسه بوجوده، وهي قضية طبعا قد يتفق أو يختلف الكثيرون معها، لكني شخصيًا أؤيدها، وصول الشخص إلى مرحلة الاستغناء، هي قمة النضج من وجهة نظري.
- الفَقد، سمة أساسية في القصص، للنساء والرجال على السواء، وإن كانت المرأة أكثر تحمّلًا وقدرة على امتصاص الصدمة، ربما لأن المؤلفة كذلك. الفانتازيا أيضًا حضرت بشكل بديع جدًا من النصوص. ميزة المجموعة أنها لا يحدها فكرة واحدة، قد تكون هذه الفكرة الواحدة ميزة في مجموعات قصصية أخرى.
- نقرأ قصص... البطلة ترفض عودة حبيبها الخائن--- البطلة تعاني من الهلاوس في غرفتها--- البطل يتذكر حبيبته التي فقدها منذ ثلاثين عامًا--- البطلة تشاهد فيلمًا إسبانيًا بلا ترجمة وتحاول متابعة أحداثه من خلال الصورة--- طفل يتسلق شجرة توت غير موجودة--- شاعر يحاور قصائده--- أم وثلاث بنات في بيت بلا رجل--- الثوري المزيف--- البطلة تتنقل ذهنيًا بين عدة أفكار فلسفية--- البطلة تفكر في الانتحار بطريقة تمزج بين انتحار سيلڤيا بلاث وفرجينيا وولف--- عاشقان يفترقان--- صديقة البطلة تغيّر اسمها ثلاث مرات--- امرأة تفتقد حبيبها--- مائدة تتلاعب بأسرة فقدت عائلها--- فتاة تنتظر حبيبها الغائب--- فتاة تتوهم أنها التقت حبيبها--- مريض نفسي يتسبب فى انتحار أو مقتل زوجته الطبيبة النفسية--- سكان عمارة يواجهون أحداثًا غرائبية--- موظف يفقد وظيفته مما ينعكس على الأسرة--- عجوز تستعيد طفولتها- روبوت ينتحر بعد موت صاحبه--- فتاة ستتزوج حزينة على فراق أختها الصغيرة--- مصاب يفيق في المستشفى بساق واحدة وقد خرج من تحت الركام نصف إنسان.
- نجَت الكاتبة من فخ البطولة النسائية لكل القصص، وهو ما تقع فيه أغلب الكاتبات، وإن كان عندهن حجّة وجيهة، وهي أنهن أقدر على الكتابة عن عالم المرأة بصورة أفضل من الكتّاب الرجال بدون شك، فكانت قصص بطولة مذكّرة... "رسائل لم تُرسَل"- "شجرة التوت"- "كائن الحروف"- "الذي ثار على ظله"- "طبيبتي النفسية"- "روبوت يقرأ لشوبنهاور".
- شخصية الرجل في المجموعة، يغلب عليها طابع الندم، ففي قصة "رقم ناقص من الوجود" يفقد عشيقته وحبيبته معًا ويحاول العودة لمَن أخطأ في حقها، وفي قصة "رسائل لم تُرسَل" يندم العجوز على فقد حبيبته منذ ثلاثين عاما.
- تم تجهيل الأسماء في قصص... "رقم ناقص من الوجود"- "هل تعلم كيف يصطادون القردة؟"- "رسائل لم تُرسَل"- "العجوز على الكرسي"- "شجرة التوت"- "كائن الحروف"- "عناد الماء"- "الذي ثار على ظله"- "طلاسم الدمى المحطمة"- "رغيف الأغنية وقطعة السكر"- "خيط الرحيل"- "كافكا"- "لم يأتِ"- "عشر خطوات نحو السراب"- "طبيبتي النفسية"- "الابتسامة"- "طقوس صغيرة ضد الواقع"- "الذين أكلهم الليل"- "ثلاث لقمات من رغيف واحد"- "متلازمة الحب"- "رقصة الصوفي الأخيرة".
- أخيرا يظهر أول اسم لبطلة، "ليلى" في "الليالي المتشظية" -لاحظ هنا تطابق "ليلى" و"ليالي"، وهي إحدى أفضل قصص المجموعة. لا علاقة لجودة القصة بظهور الاسم طبعا. الظهور الثاني للأسماء، هذه المرة لصديقة البطلة في قصة "دموع الخزامى" بأسماء "حلوة"- "سلمى"- "ناتاشا". القصة الثالثة والأخيرة التي ظهر بها اسم، هي "روبوت يقرأ لشوبنهاور" حيث الروبوت "جاد" الذي امتلك العاطفة البشرية مما كانت سببًا في مأساته.
- عبارة تكتَب بماء الذهب... "كل ثورة تتحول إلى تمثال، وكل تمثال يبحث عن لسانه".
- مقطع له مغزى... "كان يحتفظ بصور تشي جيفارا على جدران غرفته، كأنها أيقونات تبارك له وهجه الثوري المؤجل. قلادة غريبة الشكل تتدلى من عنقه، تلمع حين يتحدث عن العدالة، وتخفُت حين يصمت. لم يكن يثور فعلًا، لكنه كان يتقن اللهجة الثورية، يعرف متى يهتف، ومتى يلتقط صورته إلى جانب الحشود".
عبارات أعجبتني..
"هل يمكن أن تُغفَر الخيانة إذا كانت محاولة للنجاة؟".
"ثم انقطع الخط، كأن العالم كله توقف لحظة الفقد".
"ذلك الهدوء الكاذب الذي يخفي تحته ضجيجًا، ينتظر إشارتي ليبدأ".
"قالت لي مرة، إن الرعب نوع من اللعب، وإن على الإنسان أن يتعلم كيف يضحك في وجهه، كي لا يُهزم منه".
"أُدرِك أن الجنون ليس أن ترى ما لا يُرَى، بل أن تؤمن به حتى يصير لك مرآة".
"إن احمرّ وجهها، علِمتُ أن الغزل قد أصابها، وإن عقدَت حاجبيها كطفلة على وشك البكاء، لعنتُ في سرّي كل حرف آلمها".
"ركض إلى حيث المطر يطرق الزجاج ككف تبحث عن معنى".
"أُغلِق الكتاب، فأعلَم أن القصة لم تنتهِ، بل بدأَت في داخلي".
"كل تعاليم ووصايا أمها، باتت رقية لا تحميها من مكائد الدنيا، ومن ابتسامات لا تعلم مكامنها".
"ناتاشا لا تؤمن بالحب، لكن لديها حبيبان أو أكثر".
"- أتعلَم ما الذي يدهشني؟ نحن لا نُشفى أبدًا، نحن فقط نتعلم كيف نرتب الجنون بطريقة أنيقة".
* تبارك الياسين..
كاتبة وفنانة تشكيلية أردنية، صدَر لها روايات.. "ثقل الريشة"- "غرفة 314"- "ليلة البلسمك"- "عفن أحمر"- و"شهقت القرية بالسر" التي نالت عنها جائزة وزارة الثقافة الأردنية للإبداع، و"بن يقظان يتصفح جوجل" رواية لليافعة.
بالإضافة إلى المجموعات القصصية.. "هواء مر في رئتي"- "للموت أسنان صفراء"- "أريد أن أحك تلك الفكرة"- "حين كانت الرغبة حرف جر"- ويوم بعثت لأحيا
