للكاتب محمد سرسك
(حكاية الضياع)
سليم النجار
التناوب في خطاب رواية "شظايا الذاكرة" يتمّ عن طريق (التجاور)، على اعتبار أنَّ لكل قصة من الضياع الفلسطيني خطابها الخاص بها، وخاصية "بنية التجاور" هنا هي التي تؤطر الخطاب الروائي "شظايا الذاكرة"، والمعني ببنية التجاور هو استقلال كلّ قصة من قصص الضياع وتناوبها في سياق الخطاب.
رواية "شظايا الذاكرة" الصادرة عن مؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت- ٢٠٢٦، نجد الخطاب في أنساق الحكاية التي تُبنى على الحكي لشخصيات الرواية، عن طريق التناوب بعيدًا عن الحكي الشفوي (لا يريد الجد أحمد أن يشطب من ذاكرته تلك الأيام ص٤٢).
إنَّ أنساق الحكي يكون مترابط على مستوى الخطاب العام للضياع (حين اندلعت شرارة المعارك في يافا، ومن ثم استلاؤهم عليها وطرد غالبية أهلها ص٢٤-٢٥).
هذا الخطاب يحمل في طيّاته زمناً معلوم، معتدَّاً على قرائن تركيبة وسياقيّة ودلاليّة تربط بينها على مستوى الخطاب، وهكذا يكون التناوب بين حكايا الضياع مؤطر في فكرة رئيسية "الشتات الفلسطيني" (يأكلنا الحنين لدارنا وبيارتنا، لملابسنا وفراشنا، لم أعد استيقظ فجراً ص١٥).
إنَّ صوت الكاتب في الرواية يختلف تمام الاختلاف عن الراوي، فالكاتب يتوقف عند الحدث كشاهد عن تجربة الشتات في تاريخها الجديد، والتي تحولت إلى تاريخ واقعي آني، ولا يمكن أن تهضم ما كتبه الكاتب إلا إذا كنت تستدعي الأحداث التي عاشها الفلسطيني (بالكتابة نقاوم محو الذاكرة حين تسعى قوى الظلم إلى محو تاريخ الشعوب وطمس هويتها ص٧).
الرواي الذي يرسل الخطاب من خلال ما أراد الكاتب توصيله للمتلقي، بهذا الاندماج المؤطر وبهذا الفعل نلحظ خطاب واحد على صعيد المضمون، لكن على صعيد المشهديّة يختلف الأمر بشكل جلي، ويستعمل الراوي الصيغ الروائية وكأنه شخصية منفصلة عن باقي شخصيات الرواية (مضت بضع سنوات، كان يشتدّ فيها الفراق، ويزداد الشقاء ص٦٦).
إنَّ مسافة الحكي بين تاريخ الشتات والآخر، والمقصود هنا تفاصيل لنفس المعاناة لشعوب عاشت تقريباً لظروف مشابهة للشعب الفلسطيني. فالكاتب يتدخل مرة أخرى ويقحم التاريخ كتمثيل للشتات الذي لا يقتصر على شعب بحد ذاته (نعم هو تاريخ دموي بامتياز، فالبرازيليون هم برتغال وإسبان، والأرجنتيون هم إسبان وطلّيان ص٨٣).
إنَّ كلمة الإنسان الذي نعرفه من خلال صياغة الراوي هو الباحث عن كرامته، وفي ذات الوقت لا يوجد شعب من مكان واحد، لكن هناك التراكم والتراتب لسنوات طوال بنى خلالها هذا الشعب هويته وثقافته، وهذا الوصف له دلالات اجتماعية وسياسة، على الرغم من المقلب الثاني هناك أفراداً مختلفين ولهم رؤية خاصة بهم (خلف طاولة المكتب بزيّه الإنجليزي، وهو ينفث سيجاره الفاخر ص١١٧).
إنَّ تداخل الدلالات لعنوان الرواية "شظايا الذاكرة" يصيب بحيرة شديدة، ويصعب على المتلقي الخروج بفكرة واحدة خاصة، فالعنوان يحمل أكثر من إشارة، تخضع لدوائر الأزمنة المختلفة، وقد وظفها الكاتب في البحث عن القيم التي تُسخّر لجهاز سلوكي اجتماعي، في مقاومة أشكال الماضي (‐سأقتل ماهر يومًا ما. خيّم الصمت المريب على الجميع، نظر إليهم مستغرباً خشيتهم مما قاله:
‐هل أصمت عمّن كان سبباً في قهر جدكم وموته؟ ص١٣٤).
تعدُّد صور الشتات والماضي في الرواية يضعنا أمام سؤال: هل كان الراوي- عندما وظف الانتقام للجد- يرسم صورة الوطن؟ أم ذهب- الكاتب هنا وليس الراوي- للإشارة لصورة المثقف وعلاقته بالجد؟ الذي أراد استرداد شعب الشتات، وبالتالي يقع عبأ تمثيل دور البطولة، في طرح قيم إنسانية جديدة جاءت من رحم الشتات.
على الرغم أنَّ كلمة "المثقف" ما زالت عائمة في ثقافتنا العربية وتحمل أكثر من دلالة ومعنى، يُقال بأنَّ أول من أدخل كلمة "المثقف" بمعناها المعاصر إلى العربية هو المفكر "سلامة موسى" في العشرينيات من القرن العشرين، وأصل الكلمة في اللغات الغربية "الزرع والتنمية"، أمَّا ما فعله الراوي هو الممايزة بين أصل الكلمة وفعل الشتات الذي فرض قوانينه، مع الكلمة في الأصل، والتي لا تشي بالقتل أو الانتقام، وأعاد إنتاجها في ظلِّ إقرار المتغيرات، هذا ما فعله الرواي؛ توظيف كلمة " المثقف" في سياق الرواية.
رواية "شظايا الذاكرة" للكاتب محمد سرسك أبرزت اشتعال مكونات ثلاثة -السردي‐ اللا سردي- القائل للسرد. على القارئ الكشف عن هذه المكونات الثلاثة، أما الكاتب من جانبه فقد كتب شظايا الذاكرة.
