بقلم : محمد النجار 

هناك أشياء كثيرة في الحياة تبدأ اختيارًا، ثم تتحول مع الوقت إلى اكتشاف. والقراءة واحدة منها.

في البداية نظن أننا نحن من نختار الكتب، ثم نكتشف بعد سنوات أن الكتب هي التي اختارتنا بطريقة ما. كتاب يصل إلينا في لحظة دقيقة فيلامس سؤالًا خفيًا كنا نخفيه عن أنفسنا، ورواية تفتح لنا نافذة على حياة لم نعشها، وكاتب يضيء جزءًا من ذواتنا لم نكن نعرفه.

لهذا، فإن العلاقة بين القارئ والكتاب، وإن بدت صامتة من الخارج، هي في حقيقتها حوار طويل يجري في أعماق الإنسان. فالكتاب لا يمنحنا المعرفة فحسب، بل يعيد ترتيب أسئلتنا، ويهز شيئًا من يقيننا، وربما يترك فينا أثرًا لا نستطيع تسميته إلا بعد سنوات.

من الجوع إلى الهوية

في البدايات، يكون القارئ جائعًا لكل شيء؛ يريد الرواية والتاريخ والفلسفة والشعر والفكر والسيرة، ويظن أن القراءة الحقيقية هي أن يقرأ كل ما يقع تحت يده. ثم تمضي السنوات، فيدرك أن عمر الإنسان أقصر من أن يستوعب كل الكتب، وأن النضج ليس في أن تقرأ كل شيء، بل في أن تعرف ماذا تبحث ولماذا تقرأ.

وهنا تبدأ رحلة اكتشاف الهوية القرائية.

والغريب أن هذه الهوية لا تكون بالضرورة انعكاسًا مباشرًا لشخصية الإنسان في حياته اليومية. قد يكون المرء رقيقًا هادئًا في طبعه، لكنه يجد متعته الخالصة في أدب الجريمة والغموض، فيلاحق أجاثا كريستي وشارلوك هولمز، لأن عقله يستمتع بمطاردة الحقيقة وهي تختبئ خلف التفاصيل.

وقد يشعر آخر أن جزءًا من روحه ينتمي إلى زمن لم يعشه، فيتجه إلى التاريخ والسير، فيجد نفسه في أعمال وليد سيف وهو يستعيد التاريخ الفلسطيني والأندلسي، أو يقترب بخشوع من سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فهو لا يقرأ الماضي للتسلية، بل ليحاول أن يفهم الإنسان والحاضر من خلاله.

نحن لا نقرأ دائمًا ما نحن عليه، بل كثيرًا ما نقرأ ما نفتقده، أو ما نتوق إليه، أو ما نحتاج أن نفهمه.

مطبات على طريق القارئ

لكن طريق القارئ ليس خاليًا من المطبات،من أكثرها شيوعًا الخلط بين شهرة الكتاب وملاءمته لنا. قد نقرأ رواية حازت جائزة كبرى وتصدرت قوائم الأكثر مبيعًا، ثم نغلقها دون أن نشعر بشيء. وهذا لا يعني أن الكاتب ضعيف أو أن الكتاب لا يستحق ما ناله؛ ربما ببساطة لم نكن نحن مستعدين له بعد.

فبعض الكتب لا نفشل في فهمها، بل نصل إليها قبل أوانها.

قد يقرأ أحدهم "الغريب" لألبير كامو دون خلفية عن العبث والعدمية والاغتراب، فيراها مجرد حكاية باردة، بينما يكتشف قارئ آخر، بعد أن امتلك مفاتيحها الفكرية، أنها تضع الإنسان وجهًا لوجه أمام أسئلته الوجودية الكبرى.

الكتاب العظيم لا يطلب منك أن تقرأه فقط، بل يطلب منك أحيانًا أن تأتي إليه محملًا بالسياق والمعرفة.

النص لا يولد في فراغ وهذا يتجلى بوضوح في الأدب المرتبط بالتاريخ والسياسة. فمن الصعب أن تقرأ الأدب الأفغاني بمعزل عن تاريخ أفغانستان الحديث؛ عن الانقلابات، والغزو السوفيتي، والحرب الأهلية، وصعود طالبان، ثم الغزو الأمريكي، وما تركته كل تلك الأحداث من ندوب في الإنسان والمجتمع.

فالنص الأدبي لا يولد في فراغ؛ وراء كل رواية مجتمع، وخلف كل شخصية تاريخ، وخلف كل ألم ذاكرة.

ثم إن القارئ لا يدخل إلى الكتاب بعقله وحده، بل يدخل إليه بقيمه ومرجعيته وتجربته الخاصة. لذلك قد يُعجب قارئ ملتزم برشاقة لغة أحلام مستغانمي وقوة تعبيرها، لكنه لا ينسجم مع بعض عوالمها، بينما يجد قارئ آخر في جرأة علاء الأسواني واقترابه المباشر من القضايا الاجتماعية والسياسية ما يشدّه، في حين يشعر غيره أن هذه الجرأة لا تناسب ذائقته.

الذائقة الأدبية ليست حكمًا مطلقًا على قيمة الكاتب، بل هي أيضًا مرآة صادقة للقارئ نفسه.

لكل قارئ عالمه ومن هنا تتعدد الطرق.

محب الأدب المقاوم سيجد غسان كنفاني أقرب إلى روحه، ومن يريد أن يتجول في الحارات القديمة ويصغي لنبض الإنسان البسيط، سيجد ضالته عند نجيب محفوظ. ومن أراد أن يقترب من عالم السجون وما يفعله القيد بالروح، سيجد في أعمال أيمن العتوم ما يبحث عنه.

ومن يعشق برودة الشتاء وأسئلته الثقيلة، ربما وجد نفسه في الأدب الروسي، بين دوستويفسكي وتشيخوف وتولستوي. ومن أراد أن يعبر إلى أمريكا اللاتينية، حيث تمتزج الواقعية بالأسطورة، فسيجد عالمه عند غابرييل غارسيا ماركيز، ولا سيما في "مئة عام من العزلة". أما من يبحث عن اللغة حين تتحول إلى صورة، وعن صراع الشرق والغرب حين يصبح سؤالًا عن الهوية، فسيجد عالمًا كاملًا في "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح.

وهنا يتضح أن الأدب ليس مجرد حكايات تُروى؛ إنه تجريب للحياة.

نعيش في الرواية ما لا نستطيع أن نعيشه في الواقع: نحب دون أن نحب، ونهاجر دون أن نغادر، ونحارب دون أن نحمل سلاحًا، وندخل السجن دون أن تُغلق علينا أبوابه، ونقترب من الموت دون أن نموت.

الكتاب يوسّع العمر من الداخل،القراءة ليست امتحانًا

ومع ذلك، ليست وظيفة الأدب أن يمنحنا دائمًا ما نريد. أحيانًا تكمن قيمة الكتاب في أنه يزعجنا، أو يختلف معنا، أو يجبرنا على مراجعة فكرة ظننا أنها مكتملة. ولذلك ليس ضروريًا أن تحب كل كتاب يمدحه الآخرون، كما ليس عليك أن تشعر بالذنب لأنك لم تجد نفسك في عمل أدبي شهير.

فالقراءة ليست امتحانًا، والذائقة ليست مسابقة.

اقرأ، واختلف، واترك الكتاب إن لم يشبهك، ثم عد إليه إن تغيرت أنت. فقد تقرأ رواية في العشرين فلا ترى فيها سوى حكاية عابرة، ثم تعود إليها في الأربعين فتجد فيها شيئًا من حياتك. وقد تقرأ كتابًا عن الفقد قبل أن تعرف الفقد، ثم تفتحه بعد سنوات فتشعر أن صفحاته كانت تنتظرك أنت تحديدًا.

فالكتب لا تتغير، لكننا نصل إليها بأرواح مختلفة.

وفي نهاية الطريق، لن يكون أهم ما حصلت عليه هو أنك عرفت أسماء أكثر، أو قرأت عددًا أكبر من الكتب، بل أنك أصبحت تعرف نفسك أكثر: ما الذي يجذبك، وما الذي ينفرك، وما هي الأسئلة التي لا تستطيع أن تعيش دون أن تبحث لها عن إجابة.

حتى الكتاب الذي لم يعجبك لم يكن رحلة ضائعة؛ فقد يكون قد عرّفك بما لا تريد أن تقرأ، أو كشف لك طريقًا لا يشبهك.

ولعل في التشبيه المنسوب إلى عباس محمود العقاد ما يلخص هذه الرحلة كلها: "الكتب كالطرق؛ حتى الطريق الذي لا يعجبك، يعلمك إلى أين لا تريد أن تمضي".

لذلك، عزيزي القارئ، لا تستعجل العثور على كتابك أو كاتبك المفضل، اقرأ.

تِهْ قليلًا، واختلف كثيرًا، وغيّر رأيك، واترك بعض الكتب، وعُد إلى بعضها بعد سنوات.

فربما لم تكن القراءة في جوهرها بحثًا عن العالم الذي نريد أن نعرفه، بقدر ما كانت رحلة طويلة للعثور على الإنسان الذي يسكن فينا.