بقلم : عوني الرجوب 

باحث  وكاتب سياسي

 

ليس كل خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطاب؛ فهناك خطابات تمرّ في القاعة ثم تُطوى صفحاتها، وهناك خطابات تحمل معها موقف دولة، وذاكرة شعب، وهواجس وطن، ورؤية سياسية تتجاوز حدود اللحظة.

ومن هذا المنظور، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، حاملاً رسائل واضحة ومباشرة إلى المجتمع الدولي، لا سيما في ما يتعلق بفلسطين وغزة والضفة الغربية، والقانون الدولي، والتطورات في سوريا، وموقف الأردن من السلام والدبلوماسية وأمنه الوطني.

لقد كان خطاباً أردنياً واضحاً في ثوابته، هادئاً في لغته، حازماً في مضامينه، ومباشراً في تحميل المجتمع الدولي مسؤولياته.

الانتباه… حين يصبح مورداً جيوسياسياً

لعل المدخل الأذكى في خطاب جلالة الملك أنه لم يبدأ مباشرة بالحديث عن غزة أو فلسطين، وإنما بدأ من مفهوم يبدو بعيداً عن السياسة: الانتباه.

فالملك تحدث عن عالم تتوالى فيه الأزمات بسرعة، حتى أصبح انتباه الإنسان مورداً نادراً، ثم انتقل إلى الفكرة الأهم عندما قال إن الانتباه في قاعة الأمم المتحدة ليس مجرد مورد معرفي، بل مورد جيوسياسي.

وهنا تكمن الفكرة المركزية في الخطاب.

فما يحظى بانتباه العالم يحظى بفرصة أكبر للتحرك الدولي، وما يتراجع عن دائرة الاهتمام قد يستمر ويتحول إلى أمر واقع.

ولهذا ربط جلالة الملك بين الانتباه وبين وقف إطلاق النار، والمعاناة الإنسانية، وقدرة المجتمع الدولي على الاستمرار في متابعة الأزمات وعدم السماح لها بأن تتحول إلى مشاهد مألوفة.

فالخطر، وفق منطق الخطاب، لا يكمن فقط فيما يحدث، وإنما أيضاً في أن يعتاد العالم على ما يحدث.

عندما يتحول المؤقت إلى دائم

من أكثر العبارات دلالة في الخطاب قول جلالة الملك إن المجتمع الدولي اختار على مدى سنوات إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من مواجهته، وإن الانتهاكات الإسرائيلية المتعاقبة جرى التعامل معها باعتبارها مؤقتة، إلى أن أصبح المؤقت دائماً، وأصبح الدائم سياسة.

وهنا ينتقل الخطاب من وصف الأحداث إلى مساءلة منهج التعامل الدولي معها.

فإدارة الصراع ليست حلاً للصراع.

وتأجيل المشكلة لا يلغيها.

بل إن ترك الوقائع تتراكم على الأرض يمكن أن يجعلها أكثر صعوبة في المعالجة مستقبلاً.

ومن هنا جاء السؤال الملكي شديد الوضوح:

إذا كان القانون الدولي يمكن تجاهله لعقود، فما قيمة هذا القانون؟ وكيف يمكن تطبيقه إذا لم تتم حتى تسمية انتهاكاته؟

وهذا ليس سؤالاً عن فلسطين وحدها، وإنما سؤال عن مصداقية النظام الدولي نفسه.

غزة… من إدارة الأزمة إلى تسمية ما يحدث

في حديثه عن غزة، لم يكتفِ جلالة الملك بوصف المعاناة الإنسانية، وإنما تحدث عن طبيعة ما يجري على الأرض.

وأشار إلى استمرار قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية، وإلى استهداف المستشفيات الميدانية الأردنية، وإلى استمرار الضغط على الفلسطينيين داخل مساحة محدودة من القطاع.

ثم جاءت العبارة السياسية الأشد وضوحاً عندما قال إن المساءلة تبدأ عندما نسمي الأشياء بأسمائها، واعتبر ما يجري محاولة لمحو الحياة الفلسطينية وفرض واقع إقليمي جديد في غزة.

وهنا تظهر إحدى سمات الخطاب الأساسية:

عدم الاكتفاء بوصف المشهد، وإنما ربط المشهد بالنتيجة السياسية التي قد تترتب عليه.

فالقضية ليست فقط عدد الضحايا أو حجم الدمار، وإنما ما الذي سيبقى من غزة ومن الحياة الفلسطينية ومن إمكانية قيام دولة فلسطينية بعد إعادة تشكيل الواقع على الأرض.

الضفة الغربية… التغيير الأخطر

إذا كانت غزة حاضرة بقوة في الخطاب، فإن الضفة الغربية أخذت مساحة شديدة الأهمية.

فجلالة الملك لم يصف ما يحدث هناك بأنه مجرد تصعيد جديد، وإنما قال إنه تحول جوهري.

وتحدث عن عنف المستوطنين، وحرق المنازل، وتدمير الممتلكات، ودفع العائلات إلى مغادرة أراضيها، ومصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات.

ثم استخدم عبارات شديدة الوضوح في توصيف الأفعال:

هدم المنازل لتوسيع المستوطنات ليس «إنفاذاً للقانون»، وإنما نقل قسري.

والاستيلاء على الأراضي المحتلة ليس «تسجيل أراضٍ»، وإنما ضم فعلي.

وشبكة الحواجز والعوائق ليست مجرد بنية أمنية، وإنما وصفها بأنها نظام إخضاع.

ثم وصل الخطاب إلى توصيف ما يجري باعتباره سياسة تدفع سكاناً بأكملهم إلى مغادرة أرضهم، وقال بوضوح إن لهذا الأمر اسماً: التهجير القسري، وهو جريمة حرب.

وهنا لم يعد الخطاب يصف أحداثاً منفردة، وإنما يضعها في إطار سياسي وقانوني متكامل.

غزة والضفة… جبهتان وليستا قصتين منفصلتين

ربما كانت هذه من أهم النقاط السياسية في الخطاب كله.

فجلالة الملك رفض الفكرة التي تتعامل مع غزة والضفة الغربية باعتبارهما قصتين منفصلتين.

وقال بوضوح إنهما جبهتان للاستراتيجية الإسرائيلية نفسها.

في غزة، إعادة تشكيل الواقع من خلال الدمار.

وفي الضفة، إعادة تشكيل الواقع من خلال الضم الفعلي.

أما النتيجة التي حذر منها الخطاب فهي واحدة:

جعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً مستحيلاً.

وهذه النقطة تعيد القضية إلى جوهرها السياسي.

فإذا كان الحل الدولي المعلن هو حل الدولتين، فإن السؤال يصبح: كيف يمكن قيام دولة فلسطينية إذا استمر تغيير الأرض والواقع السكاني والجغرافي على هذا النحو؟

السلام العربي… ليس غائباً

ومن النقاط المهمة التي تضمنها الخطاب أن جلالة الملك رفض فكرة أن العالم العربي لم يسعَ إلى السلام.

وأشار إلى مبادرة السلام العربية عام 2002، التي عرضت التطبيع مع إسرائيل من جانب 57 دولة عربية وإسلامية مقابل السلام وإقامة الدولة الفلسطينية.

وبذلك أراد الخطاب أن يضع أمام المجتمع الدولي حقيقة سياسية واضحة:

أن السلام لم يكن غائباً عن الطرح العربي، وأن هناك مبادرة معلنة منذ أكثر من عقدين.

ومن ثم فإن السؤال لا يتعلق فقط بوجود عرض للسلام، وإنما بمدى الاستعداد السياسي لقبوله.

الصراع ليس حرب أديان

وفي نقطة بالغة الأهمية، رفض جلالة الملك تصوير الصراع على أنه حرب بين الأديان.

وأكد أن القضية ليست صراعاً بين الإسلام واليهودية والمسيحية، وإنما تتعلق بالسؤال عما إذا كان الفلسطينيون، المسلمون والمسيحيون، يستحقون الحقوق نفسها التي يستحقها الآخرون.

وهذه الرسالة تحمل أهمية كبيرة؛ لأنها تنقل القضية من الإطار الديني إلى إطار الحقوق والمواطنة والقانون والعدالة.

وبذلك يرفض الخطاب تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني.

السؤال الأصعب: هل عدم التحرك خيار؟

بعد عرض هذه الوقائع، طرح جلالة الملك سؤالاً بالغ القوة:

هل عدم التحرك الدولي سببه عدم وجود خيارات؟

ثم أجاب بأن الخيارات موجودة، وذكر صراحة أدوات مثل:

العقوبات، وتجميد الأصول، والحظر، والعزلة الدبلوماسية.

وبالتالي فإن المشكلة، كما صاغها الخطاب، ليست في غياب الأدوات، وإنما في القرار السياسي باستخدامها أو عدم استخدامها.

ثم تساءل عن قيمة القرارات الدولية عندما تنتهي، في الحالة الإسرائيلية، إلى أن تبقى على الورق.

وهنا يبلغ الخطاب ذروة مساءلته للمجتمع الدولي:

إذا كانت القواعد موجودة، وكانت الأدوات موجودة، وكانت الانتهاكات واضحة، فلماذا لا تتحول القرارات إلى إجراءات؟

سوريا… التحذير الأردني الأكثر وضوحاً

بعد فلسطين، انتقل جلالة الملك إلى سوريا، وهنا دخل الخطاب مباشرة في صلب الأمن الوطني الأردني.

فقد وصف التوسع الإسرائيلي بأنه أصبح تهديداً إقليمياً، وقال إن سوريا هي التحذير الذي يختار المجتمع الدولي ألا يراه.

وتحدث عن التوغلات المتكررة، والتوسع الإقليمي التدريجي، وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك المناطق المحيطة بمصادر مياه حيوية.

ثم جاءت الرسالة الأردنية المباشرة:

أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي هو تهديد للأمن الوطني الأردني.

ولم يترك جلالة الملك هذه العبارة في إطار التحذير فقط، بل أتبعها بتأكيد واضح أن الأردن لن يغض النظر، وأنه سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.

وهذه من أقوى فقرات الخطاب من حيث ارتباط السياسة الخارجية بالأمن الوطني الأردني.

الأردن: الدبلوماسية خيار قوة لا علامة ضعف

بعد كل هذه الرسائل الحادة، عاد الخطاب ليقدم صورة الأردن التي يريد أن يراها العالم.

الأردن، كما قال جلالة الملك، يريد أن يبني نموذجاً مختلفاً:

مبدئي، منفتح، وثابت.

بل إن الخطاب وصف الأردن بأنه دولة يستطيع العالم الاعتماد عليها؛ دولة وفية لمبادئها، وفية لكلمتها، مستعدة للحوار مع الجميع، ومستعدة للعمل مع كل من يسعى إلى السلام.

لكن جلالة الملك وضع في الوقت نفسه حداً واضحاً لأي تفسير خاطئ لهذا النهج، عندما قال إن انحياز الأردن إلى الدبلوماسية لن يتقدم على التزامه بالقيم الإنسانية، ولا ينبغي أن يُؤخذ أمراً مسلماً به أو يُفسر على أنه ضعف.

وهنا تتضح المعادلة الأردنية كما وردت في الخطاب نفسه:

الدبلوماسية نعم، ولكن ليس على حساب القيم.

الحوار نعم، ولكن ليس على حساب الحقوق.

السلام نعم، ولكن ليس على حساب أمن الأردن ومصالح شعبه.

الأردن لا يختار بين مواجهة الأزمة وبناء المستقبل

ومن النقاط التي تستحق الانتباه أن جلالة الملك لم يجعل خطاب الأردن محصوراً في أزمات المنطقة.

فقد قال إن الأردن لا يستطيع أن يختار بين الاستجابة للطوارئ وبناء المستقبل، ولذلك يقوم بالأمرين معاً.

فتحدث عن تعزيز الروابط من الخليج إلى البحر المتوسط، وبناء الأردن كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، بالتوازي مع الاستجابة للأزمات الإنسانية.

وتحدث عن مواجهة الإرهاب وتطوير القدرات الدفاعية، ومواجهة تهديدات مثل المخدرات.

كما أكد حماية المسيحية ومجتمعاتها وتراثها في أرضها الأصلية والتاريخية، والعمل على إبراز الصورة الحقيقية للإسلام في مواجهة أصوات الكراهية.

ثم عاد إلى الثابت الأردني:

لن نتخلى عن التزامنا بالسلام العادل.

فلسطين والقدس والوصاية الهاشمية

وفي ختام عرضه للموقف الأردني، أكد جلالة الملك استمرار دعم صمود الفلسطينيين، واستمرار دعم الأونروا، والاستمرار في حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. 

وهكذا جاءت فلسطين والقدس في الخطاب ضمن منظومة متكاملة من الموقف الأردني، وليست كقضية منفصلة عن بقية رؤية الأردن للسلام والاستقرار.

من القوة العسكرية إلى قوة المؤسسات

في خاتمة الخطاب، انتقل جلالة الملك إلى فكرة أوسع من فلسطين والمنطقة.

قال بوضوح إن القوة العسكرية لا تستطيع تقديم حلول ذات معنى؛ فهي لا تطعم الجائع، ولا تعيد النازح إلى بيته، ولا تبني السلام، ولا تستطيع وحدها معالجة قضايا الهجرة أو التغير المناخي أو التقدم التكنولوجي.

أما الحل، فيحتاج إلى مؤسسات تحظى بالشرعية، وإلى الثقة:

الثقة بين الدول.

والثقة بالاتفاقيات.

والثقة بأن القواعد ستُطبق فعلياً.

وهنا يعود الخطاب إلى فكرته الأولى: الانتباه.

فالعالم الذي يتنافس فيه الجميع على انتباه الإنسان يحتاج إلى أن يكون أكثر وعياً بما يختار أن يراه، وأكثر يقظة تجاه ما يحاول أن يصرف انتباهه عنه.

الخلاصة

إذا أردنا قراءة خطاب جلالة الملك في جملة واحدة، فإنه كان خطاباً يقول للمجتمع الدولي:

إن تجاهل الأزمات لا يلغيها، وإدارة الصراع لا تعني حله، والقانون الذي لا يُطبق يفقد قيمته، والسلام الذي لا يقوم على الحقوق لا يمكن أن يكون سلاماً دائماً.

أما الرسالة الأردنية فكانت واضحة:

الأردن دولة سلام، ودولة حوار، ودولة منفتحة على الجميع، لكنها في الوقت نفسه دولة تعرف ثوابتها، وتحمي أمنها، وتحافظ على مصالح شعبها، ولا تسمح بأن تُفسر دبلوماسيتها على أنها ضعف.

لقد تحدث جلالة الملك أمام العالم بلغة دولة تعرف ماذا تقول، ولم يكتفِ بوصف ما يحدث، بل وضع المجتمع الدولي أمام أسئلته ومسؤولياته.

والسؤال الذي تركه الخطاب في نهايته ربما يكون الأهم:

المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما أيضاً بما نختار أن نتجاهله.

وهنا تكمن مسؤولية المجتمع الدولي.

وهنا أيضاً تكمن أهمية خطاب الأردن