بقلم: نانسي بلال السيوري
أحيانًا لا تكون المشكلة أن العالم لا يعرف الحقيقة… المشكلة أن العالم يعرفها جيدًا، لكنه لا يريد أن يدفع ثمن الاعتراف بها.
من هنا، أقرأ كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم.
لم يكن الأردن هناك ليخبر العالم أن المنطقة تعاني أزمة جديدة؛ فالمنطقة لم تعد تحتاج إلى من يعرّفها بأزماتها. كانت الرسالة أكثر صعوبة: أنتم تعرفون، ونحن حذرناكم، والنتائج التي نشهدها اليوم ليست مفاجئة.
فقد حذّر الأردن مرارًا من أن ترك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بلا حل، واستمرار الاحتلال وغياب أفق الدولة الفلسطينية، سيحوّلان الصراع إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار. كما حذّر من تهجير الفلسطينيين أو تصفية القضية، في مواقف متتالية خلال أزمات غزة والضفة الغربية والقدس. ولم تكن هذه التحذيرات منفصلة عن أمن الأردن وحدوده وتركيبته الاجتماعية، بل قراءة مباشرة لنتائج سياسات اختار المجتمع الدولي احتواءها بدل معالجة جذورها.
لأن إدارة الأزمة ليست حلًا، تأجيل الانفجار ليس سلامًا، وإصدار البيانات بعد سقوط الضحايا ليس حماية للإنسان.
وهنا تصبح القضية أكبر من غزة، وأكبر من الضفة الغربية، وأكبر حتى من فلسطين.
إنها قضية نظام دولي يريد أن يقنع الشعوب بأن القانون واحد للجميع، ثم يجد نفسه عاجزًا عن تطبيقه عندما تصبح المصالح السياسية أثقل من المبادئ.
وهذا هو السؤال الذي يجب ألا نخاف من طرحه:
ما قيمة القانون الدولي إذا كان تطبيقه يتوقف على هوية من ينتهكه؟
في خطابه، لم يفصل الملك بين ما يحدث في فلسطين وبين أمن المنطقة.
وهذا منطقي.
فالمنطقة لا تعيش أزمات منفصلة؛ ما يحدث في مكان ينتقل إلى مكان آخر، والحرب لا تحتاج إلى تأشيرة كي تصل آثارها إلى اقتصاد دولة بعيدة، أو أسعار الغذاء والطاقة، أو حركة التجارة والاستثمار.
حتى الأردن، الذي لم يختر الحروب من حوله، يدفع كلفة الاستقرار في منطقة مضطربة.
ولهذا كانت الإشارة الملكية إلى أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي الأردني هو تهديد للأمن القومي، رسالة لا تحتمل القراءة العابرة.
وقد أثبتت الوقائع أن هذا الربط ليس نظريًا. فالتوترات على الحدود الشمالية، ومحاولات تهريب المخدرات والأسلحة، وتداخل الجماعات المسلحة مع أزمات دول الجوار، دفعت الأردن إلى تعزيز حضوره الأمني والعسكري، لأن أي فراغ هناك قد يتحول سريعًا إلى خطر مباشر داخل المملكة. كما أن شح المياه، واستضافة ملايين اللاجئين، وتأثر التجارة والطاقة بأزمات الإقليم، تجعل الأمن الأردني مرتبطًا بحماية موارده وخدماته واستقراره الاقتصادي والاجتماعي.
الأمن القومي الأردني لا يبدأ من بوابة الحدود فقط.
قد يبدأ من قطرة ماء من سعر سلعة من طريق تجاري من استقرار دولة مجاورة ومن قدرة الدولة على حماية مواطنيها وسط إقليم يتغير بسرعة أكبر من قدرتنا على التنبؤ بما سيأتي.
وهنا، أعتقد أن علينا كأردنيين أن ننتقل من التصفيق للخطاب إلى فهمه لأن الخطابات الدولية لا تعفينا من مسؤولياتنا الداخلية.
هناك جملة أخرى تستحق أن تُكتب بخط عريض:
الأردن لا يستطيع أن يكون جزيرة معزولة عن محيطه
لكن الأردن يستطيع أن يكون دولة تعرف أين تقف وهذه ليست مسألة شعارات هي مسألة سياسة خارجية، وأمن وطني، واقتصاد، ومياه، وطاقة، وعلاقات دولية، وقدرة على المناورة في منطقة شديدة التعقيد.
ولهذا فإن الحفاظ على الموقف الأردني المتوازن لا يعني الصمت والدبلوماسية لا تعني التنازل والدعوة إلى السلام لا تعني القبول بالظلم والانفتاح على العالم لا يعني التخلي عن الثوابت.
ربما هذه هي المعادلة التي يحتاج جيلنا إلى فهمها بعيدًا عن الانفعال السياسي السريع الذي تختصر فيه القضايا الكبرى بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
لكنني، كشابة أردنية، لا أريد أن تنتهي قراءتي للخطاب عند نيويورك.
أريد أن أعود معه إلى عمّان.
إلى الجامعة.
إلى الشارع.
إلى الشباب الذين يسمعون يوميًا عن الأمن والاستقرار والسياسة الخارجية، لكنهم يريدون أيضًا أن يعرفوا: أين نحن من صناعة القرار؟
إذا كان العالم يتغير بهذه السرعة، فلا يمكن أن يبقى الشباب مجرد متلقٍ للقرارات.
الشباب يجب أن يكون جزءًا من النقاش حول شكل الدولة، ومستقبل الاقتصاد، وأولويات التنمية، والسياسة العامة، والمياه، والبيئة، والتحول الرقمي.
وإذا كان الملك يتحدث أمام العالم عن مستقبل المنطقة، فعلينا نحن أن نسأل عن مستقبلنا داخل الأردن.
ليس لأننا نعارض الدولة بل لأننا نريد دولة أقوى والدولة القوية لا تخاف من الأسئلة بل تحتاج إليها.
الأكثر إيلامًا في المشهد كله أن العالم لا يفتقر إلى المعلومات.
المعلومات موجودة. والصور موجودة. والتقارير موجودة. والقرارات الدولية موجودة. والتحذيرات الأردنية موجودة منذ سنوات.
لكن ما ينقص هو الإرادة السياسية لتحويل المعرفة إلى فعل.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد خطاب اليوم ليس:
ماذا قال الملك؟
لقد سمعناه.
السؤال هو:
ماذا سيفعل العالم بما سمعه؟
وهل سيبقى المجتمع الدولي في دائرة البيانات والاجتماعات والقلق، أم سينتقل إلى مرحلة يتحمل فيها مسؤولياته؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للعالم ليس أن يفشل في فهم الأزمة.
بل أن يفهمها جيدًا… ثم يختار ألا يفعل شيئًا.
وأمام هذا كله، يبقى الأردن أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية المجتمع الدولي: أن يحافظ على قوته الداخلية.
أن تكون مؤسساتنا أكثر قدرة.
أن يكون شبابنا أكثر مشاركة.
أن يكون اقتصادنا أكثر صمودًا.
أن تكون إدارة مواردنا أكثر كفاءة.
وأن تصبح قضايا المياه والطاقة والأمن الغذائي والتحول الرقمي جزءًا من الأمن الوطني، لا ملفات مؤجلة حتى تقع الأزمة.
فالسياسة الخارجية القوية تحتاج إلى بيت داخلي قوي.
والرسالة التي تُسمع في نيويورك يجب أن تجد صداها في عمّان.
لا أعرف إن كان العالم سيغيّر سياساته بعد خطاب اليوم.
ولا أعتقد أن خطابًا واحدًا يستطيع أن يغيّر نظامًا دوليًا كاملًا. لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
الأردن قال ما يريد أن يقوله. حذّر. ووضع خطوطه.
ودافع عن موقفه. ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.
والآن تبدأ المرحلة الأصعب.
مرحلة أن يتحول الكلام إلى ضغط سياسي، والمواقف إلى سياسات، والقوانين إلى أفعال.
أما نحن، كجيل شاب، فعلينا ألا نكتفي بأن نكون جمهورًا للخطابات.
علينا أن نكون جزءًا من الأسئلة التي تصنع الغد.
لأن الوطن لا يحتاج شبابًا يصفقون له فقط.
يحتاج شبابًا يفهمونه، ويسألونه، ويشاركون في بنائه، ويحملون مسؤوليته.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
هل سمع العالم الملك؟
بل:
هل سمع العالم نفسه وهو يُذكَّر بكل ما اختار أن يتجاهله؟
وإذا كان قد سمع…
فإن التاريخ، هذه المرة، لن يسأل عمّا قيل فقط.
سيسأل عمّا فُعل بعد أن قيل.
