بقلم محمد النجار
هناك خطبٌ تُقال ثم تنتهي بانتهاء التصفيق، وهناك كلماتٌ تغادر قاعة الخطاب لتبقى معلّقة في ذاكرة الناس؛ لأنها لم تقل ما يريد السامعون سماعه، بل قالت ما يجب أن يُقال.
هكذا بدا خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة.
لم يكن مجرد خطابٍ دبلوماسي في مناسبة دولية، ولا استعراضًا للمواقف التي اعتاد العالم سماعها، بل كان أقرب إلى مرآة وُضعت أمام العالم؛ ليرى فيها المنطقة كما هي، لا كما يريد البعض أن تبدو.
تحدث الملك عن غزة والضفة الغربية، عن الإنسان الذي أصبح خبرًا يتكرر حتى كاد العالم يعتاد المأساة، وعن أرضٍ تُنتزع، وبيوتٍ تُهدم، وحقوقٍ يجري التعامل معها وكأنها تفاصيل يمكن تأجيلها.
وكانت واحدة من أكثر أفكار الخطاب عمقًا حديثه عن الانتباه؛ ذلك الشيء الذي أصبح في عالمنا المعاصر موردًا سياسيًا بحد ذاته.
فالمأساة لا تنتهي حين تتوقف الكاميرات عن تصويرها، والإنسان لا يتوقف عن المعاناة لأن العالم انشغل بخبر آخر.
وربما هنا تحديدًا كانت قوة الرسالة الأردنية:
أن الحقيقة لا تتغير بتغير عناوين الأخبار.
لم يتحدث الملك عن فلسطين بوصفها ملفًا سياسيًا فحسب، وإنما بوصفها قضية إنسان وحق وكرامة، ولم يتحدث عن المنطقة باعتبارها مجموعة أزمات منفصلة، بل رأى المشهد كله من زاوية واحدة؛ غزة، والضفة، وسوريا، ولبنان، والسودان، واليمن، وما بين هذه الجغرافيا من جراح مفتوحة.
فالمنطقة التي أُرهقت بالحروب لا تحتاج إلى حرب جديدة، ولا إلى إدارة جديدة للأزمات، وإنما تحتاج إلى شجاعة حقيقية لإنهائها.
وهنا بدا الأردن كما عرفناه دائمًا؛ دولة لا تبحث عن الصدام، لكنها لا تخطئ في معرفة الخطر، تؤمن بالدبلوماسية، لكنها لا تعتبرها صمتًا، وتختار السلام، لكنها تعرف أن السلام الذي لا يحمل عدالة ليس سوى هدنة مؤجلة.
ولعل هذا ما جعل كلمات الملك تجد صداها عربيًا ودوليًا؛ لأنها لم تكن صدىً لموقفٍ سياسي فحسب، بل كانت صدىً لوجع منطقة كاملة.
كان يتحدث بهدوء، لكن خلف هدوئه كانت هناك صرامة الحقيقة.
لم يرفع صوته على العالم، بل رفع أمامه المرآة.
مرآة يرى فيها العالم ما يحدث حين يصبح القانون انتقائيًا، وحين يصبح الضحايا أرقامًا، وحين يتحول الظلم إلى مشهد مألوف لا يوقظ أحدًا.
ولذلك فإن أهمية خطاب عبدالله الثاني لا تكمن فقط فيما قاله، وإنما في السؤال الذي تركه خلفه:
ماذا يفعل العالم حين يعرف الحقيقة؟
فالمشكلة اليوم ليست في غياب المعلومات، ولا في نقص التقارير، ولا في عدم معرفة ما يجري.
المشكلة في الإرادة.
أن نعرف شيئًا ثم نختلف في تسميته، وأن نرى الظلم ثم نبحث عن لغةٍ تخفف من وطأته، وأن نتحدث طويلًا عن القانون ثم نتركه بلا قوة تحميه.
من هنا كانت كلمة الأردن مختلفة.
فالأردن لا يريد أن يكون أعلى الأصوات، بقدر ما يريد أن يكون أكثرها وضوحًا.
ولا يريد أن يربح التصفيق، بقدر ما يريد أن يبقى واقفًا في المكان الذي يراه صحيحًا.
وفي الأمم المتحدة، لم يكن عبدالله الثاني يتحدث عن الأردن وحده.
كان يتحدث عن منطقة أنهكتها الحروب، وعن أجيالٍ كبرت وهي ترى الأزمات تتناسل، وعن عالمٍ يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يستعيد شيئًا فقده وسط ضجيج السياسة:
وهنا تكمن قيمة الموقف الأردني؛ أن يبقى للسلام معنى، وللقانون هيبة، وللحق صوت، وللإنسان مكان.
فحين تصبح الكلمة موقفًا، لا تعود الخطبة مجرد كلام.
جلالة الملك عبدالله الثاني.. حين قال الأردن ما يجب أن يُقال
