د. حازم قشوع
في المشهد الذي اختاره الأردن بعناية من نيويورك، جاءت الرسالة الأردنية إلى العالم على مستويين متكاملين؛ «مستوى سياسي» حمله خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، و«مستوى إنساني» حملته الملكة رانيا العبدالله في كلمتها أمام الحوار الذي نظمته مؤسسة إنقاذ الطفل حول الأطفال الفلسطينيين المحتجزين. وهكذا بدا المشهد وكأنه خطاب واحد بفصلين، عنوانه فلسطين، وقضيته الإنسان الفلسطيني، ومستقبله الدولة والحرية والكرامة.
فالملك تحدث من منبر العالم بلغة السياسة والقانون والشرعية الدولية، واضعاً القضية الفلسطينية في إطارها الحقيقي، ومؤكداً أن القدس ستبقى في إطار الوصاية الهاشمية، وأن غزة والضفة الغربية ليستا قضيتين منفصلتين، وأن ما يجري على الأرض يرتبط بمحاولة فرض واقع جديد يحول دون قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة. كما أكد أن استمرار الأردن في دعم الصمود الفلسطيني والأونروا، وحمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، سيبقى قائماً حتى ينال الشعب الفلسطيني التحرر والاستقلال.
وفي المقابل، جاءت الملكة رانيا من المساحة الإنسانية ذاتها لتضع أمام العالم صورة أخرى للقضية، صورة الطفل الفلسطيني الذي يُقتاد من منزله ليلاً، ويُحتجز ويواجه ظروفاً قاسية، لتقول للعالم إن فلسطين ليست حدوداً وخريطة وسياسة فقط، وإنما أطفال لهم حق في الحياة والأمان والطفولة. وفي ختام كلمتها، جاءت العبارة التي تختصر المشهد كله: «الآن، أصبحتم تعرفون».
وهنا تكتمل الصورة؛ فالملك يخاطب عقل العالم السياسي، والملكة تخاطب ضميره الإنساني، وكلاهما يتحرك في الاتجاه ذاته، من أجل فلسطين، سيما أن المشهد الأول يضع القضية أمام النظام الدولي باعتبارها قضية حقوق وشرعية ودولة، وأما المشهد الثاني فإنه يضع الإنسان الفلسطيني أمام وجدان العالم باعتباره إنساناً لا يجوز أن تصبح معاناته خبراً معتاداً.
ولذلك فإن عبارة الملكة «الآن أصبحتم تعرفون» تأتي في توقيتها ومتزامنة مع المشهد العام، لأنها لا تسأل العالم إن كان يعرف فقط، بل تحمله واجباته الإنسانية التي جاء منها القانون الدولي الإنساني، وتنقله من مرحلة المعرفة إلى مرحلة المسؤولية؛ أي من حالة مبتدئ متفهم إلى حالة خبر يستوجب التحرك. وهذا ما بيّنه المشهد المتمم بصورة متسقة عندما قال الملك بوضوح إن التقاعس السياسي العالمي ليس ناتجاً عن قلة الخيارات، وإن الأدوات موجودة، وإن السؤال الحقيقي هو: «هل سنتحرك؟».
وبين سؤال الملك «هل سنتحرك؟» ورسالة الملكة «الآن أصبحتم تعرفون»، تتشكل المساحة الأردنية التي حملت فلسطين إلى نيويورك؛ سياسةً وإنساناً، حقاً وطفولة، دولةً وقضية.
وهذا هو المشهد الذي بدا وكأنه رُكّب بعناية من أجل فلسطين، يبينه خطاب ملكي سياسي محدد في البيان، يضع العالم أمام مسؤولياته، وخطاب ملكي إنساني يضع الضمير أمام حقيقة الطفل الفلسطيني. وبين الخطابين لا تتعدد الرسائل، بل تتكامل المفاهيم، لأن فلسطين في الرؤية الأردنية ليست ملفاً سياسياً منفصلاً عن الإنسان، ولا قضية إنسانية منفصلة عن حق الشعب في الدولة والحرية.
لقد قال الملك عبدالله ما ينبغي أن يسمعه العالم في السياسة بصوت مدوٍّ، وقالت الملكة رانيا العبدالله ما ينبغي أن يسمعه العالم في الإنسانية بأسلوب قيمي. وبينهما بقيت فلسطين حاضرة، من القدس إلى غزة، ومن حق الدولة إلى حق الطفل، ومن مسؤولية المجتمع الدولي إلى مسؤولية الضمير الإنساني، وهو ما يأتي ضمن عنوان واضح يقول: "《 أما وقد أصبحتم تعرفون، ماذا أنتم فاعلون ؟》
«الآن أصبحتم تعرفون»؛ وأنتم قادرون على التمييز، فهل لكم أن ترفعوا الأذى عن شعب أراد الحياة وسعى وضحّى بصبر وأنّاته من أجل حريته وكرامته ؟ فلقد آن الأوان أن يتحول ما عرفه العالم إلى فعل، وما قيل في نيويورك إلى مسار ينصف فلسطين ويحمي أطفالها.
أما وقد عرفتم الظالم وتبيّن لكم المظلوم، فإن رفع الظلم واجب أخلاقي قبل أن يكون مسؤولية قانونية، وإن العمل
على دعم الشعب الفلسطيني ورفع الجور ويد الظلم عن
أطفاله واجب يستلزم منا جميعاً إنشاء صندوق لدعم الطفل الفلسطيني، يسهم في تعليمه ورعايته والعناية بمعيشته، من باب الحقوق والمسؤوليات، حتى لا تبقى المعرفة شاهداً على الألم، بل تتحول إلى فعل يرفع المعاناة ويحفظ للطفل الفلسطيني حقه في الحياة الكريمه والمستقبل المامول.
