بقلم المفتي الدكتور: خالد سليمان البراج – مفتي لواء الشونة الجنوبية
بسم الله الرحمن الرحيم
من يتدبر ويتأمل خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يدرك حقيقة ناصعة البياض، بأن خطابه كان بمثابة صرخة هاشمية مدوية، وآذانا يصدع بالحق، وإنذارا للعالم، وخطابا فريدا واقعيا عادلا شاملا، يعبر عن وجدان ومشاعر الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم، فكان بحق جامعا مانعا، وتعبيرا وترجمة حقيقية لكل ما يجول في خواطر الأمة، فوضع جلالته النقاط على الحروف، ورفع اللثام عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي على أرض فلسطين الذي طالما أسدلت عليها طاقية الخفاء، فجاء خطاب جلالته بيانا شافيا، وتعرية حقيقية شاخصة لكل من له أدنى بصر أو بصيرة.
جاء خطاب جلالته في زمن اختفت وتلاشت فيه الأصوات للحديث عن أهمية عن فلسطين، والدفاع أهلها، وعن غزة والضفة الغربية، والتشنيع على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، فجاء خطاب جلالته وكأنه هزة لضمير العالم ليصحو من غفلته ونومه العميق ليدرك ما تبقى من الحق ورفع الظلم .
كما جاء خطاب جلالته منصبا بالحظ الأوفر، والنصيب الأكبر على حقوق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، والحديث عن جرائم الاحتلال الإسرائيلي، وأخذ هذا الموضوع جل خطابه، والسواد الأعظم من مساحة الحديث،وهذا يدل على أن فلسطين حاضرة في وجدان وقلب جلالته كما هو ديدن الهاشميين على مر التاريخ، فالقضية الفلسطينية هي القضية المحورية والرئيسة في اهتمامات العالم العربي والإسلامي، ولكنها الأولى ، وأول أولويات جلالته.
فخطاب جلالته من أعظم الجهاد، فكان بمثابة كلمة حق عند عالم جائر، يكيل بمكيالين ظالمين عندما يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي، وأي ظلم في وجه المعمورة أعظم وأنكى من الظلم والجور الذي وقع على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية من الاحتلال الإسرائيلي الغاشم المستبد، الذي قتل الأطفال الرضع والشيوخ الركع، هدم البيوت والمساجد والكنائس والمدارس والجامعات والمستشفيات، ودور الإيواء فلم يبق حجرا على حجر، ولا رأسا على كتف، حتى الحيوانات لم تسلم من شرهم المستطير، فاجهزوا على البشر والحجر والشجر، فعاثوا في الأرض فسادا وإفسادا.
ثم بين جلالته بكل وضوح تقصير وتخاذل المجتمع الدولي اتجاه القضية الفلسطينية وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من صور الانتهاكات المروعة التي يندى لها جبين الأمة، وستبقى وصمة عار حاضرة، ولعنة تلاحق العالم في زمن الحضارة والرقي والتقدم العلمي والتكنولوجي، العاري والمجرد من قيم العدل والعدالة، من خلال الظلم المستبد والمطبق الذي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلي بسيادة القانون، وشرعنة الأنظمة لخدمة الاحتلال الإسرائيلي، وسرقة الحقوق من أصحابها الشرعيين وانتزاعها بقوة القانون وحماية المستوطنين.
وتتعدى هذه الجرائم حدود فلسطين ليظهر طمع وجشع الاحتلال الإسرائيلي ليشمل لبنان وسوريا والأردن تحقيقا للهيمنة الإسرائيلية الممنهجة لتكون أستاذ الشرق الأوسط، ولترسم شرق أوسط جديد من خلال نظرتهم الدينية وتحويل الصراع إلى صراع أديان لا مصالح وحدود وزمان.
وبين جلالته صورا متناهية الدقة في وصفها عما يمارسه الاحتلال الإسرائيلي ترقى لجرائم حرب في محكمة العدل الدولية، وخاصة فيما يسمى بالتهجير القسري للفلسطينيين من أرضهم.
وتحدث جلالته عن قدرة المجتمع الدولي أن يتخذ من الإجراءات القانونية والاقتصادية والقضائية والعملية ما يوقف هذا الإجرام السافر الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية الظالمة، ثم بين جلالته بأن الأمر يختلف عندما يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي، وهذا يدل على تخاذل العالم نحو القيام بمسؤولياته، الذي يقف اليوم موقف المتفرج أحيانا، وموقف المتآمر أو التخاذل أحيانا أخرى .
وأكد جلالته دور الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس الشريف، ومحاربة الإرهاب، ومكافحة المخدرات، والتعايش السلمي، والحوار والتسامح، ودحر الكثير من الأوهام والأفكار العرجاء.
ثم تحدث جلالته عن الأردن، وعن التهديدات التي قد يتعرض لها سواء على أرضه أو مائه، ومصالح شعبنا وسيكون موقفنا حاسما بأننا سنحميه بكل قوة واقتدار، وهي رسالة تحذيرية مغلفة بالجدية بعيدا عن التلكؤ في الحديث أو الدفاع عن مقدرات الوطن ومكتسباته واستحقاقاته الوطنية والإقليمية والدولية.
وقد بين جلالته موقف الأردن بأشقائه، وتعزيز جسور التواصل والتفاهم والعمل المشترك لوحدة المصير، وأشار جلالته بأن الديانة المسيحية جزء من النسيج الوطني والمكون الحقيقي للأردن، وهي إشارة حقيقية إلى التعايش السلمي الفريد الذي يعيشه أبناء الشعب الأردني الواحد، والذي يضرب فيه المثل، وبين جلالته الرؤية التي يسعى الأردن لتحقيقا من الأردن الأنموذج، والانفتاح والثبات مستندا إلى القيم والمبادئ والدين والأعراف، والحوار والعمل المشترك من أجل السلام .
